اللغة العربية فى الصومال بين الزمن القديم واليوم

اللغة العربية فى الصومال بين الزمن القديم واليوم

مقدمة

اللغة عبارة عن ظاهرة اجتماعية تستخدم لتحقيق التفاهم ووسيلة للتخاطب والتواصل والتفاهم والتعبير عن المشاعر والأغراض بين أبنائها. واللغة العربية من اللغات العالمية التي لها جذور في التاريخ اللغوي، ومرت بمراحل مختلفة كغيرها من لغات أهل الأرض الأخرى، غير أنها تمتاز بمميزات كثيرة.
فالعربية هي الوعاء الحقيقي للتراث الإسلامي وتاريخه، وهي اللغة التي اختارها المولى لتكون محفظة قرآنه، ومن خلالها وصل إلينا حِكَم الغابرين وعلومهم، بنثرها ونظمها، كما أنها وعاء لكثير من العلوم والفنون التابعة لها، والملحقة بها.
وهي لغة غنية بقواعد تضمن لها البقاء، رغم أنف من يحاول محوها من قواميس اللغات الحية، ويُنبِئُ لها الاندثار، ويسعى ليل نهار إلى حياكة المؤامرات لها، وهي لا تزال تغزوهم في عقر دارهم، وتغض مضاجعهم، وتنتشر في كبريات العواصم عندهم انتشار الجراد عكس ما هم يتوقعون ويخططون.

تاريخ اللغة العربية فى الصومال

إن “الصومال دولة عربية إسلامية، تقع في شمال شرقي إفريقيا، يحدها خليج عدن شمالًا والمحيط الهندي شرقًا وكينيا وإثيوبيا غربًا وجيبوتي في الشمال الغربي. ونزل العرب المسلمون بسواحلها، واستقروا بها ونشروا الدين الإسلامي خلال القرن العاشر الميلادي. ويتحدث الشعب الصومالي لغة حامية إلى جانب اللغة العربية، ويدين جميع السكان بالدين الإسلامي”.

يعود تواجد اللغة العربية في الصومال إلى وقت مبكر؛ حيث تشير بعض المصادر التاريخية إلى تقدُّم وجودها على ظهور الإسلام بعدة قرون بسبب كون المنطقة هي الأقرب والمتاخمة للجزيرة العربية، وبسبب العامل التجاري الذي ساهم كثيرا في هذا التواجد، يقول ابن خلدون إنّ اللغة العربية دخلت إلى إفريقيا قبل خمسةآلاف سنة، عبر المداخل الجنوبية والشمالية لساحل البحرالأحمر ) لكن العامل الأقوى الذي مهَّد الطريق لانتشارها في ربوع القرن الأفريقي و منحها القبول الواسع لدى سكان المنطقة هو العامل الديني ( الإسلام). إذ كانت العربية اللغة الرسمية للدول الإسلامية المتتابعة في جميع الأقطار التي كانت تنفذها سلطة الإسلام والمسلمين، كما أن الهجرات العربية المتتالية إلى المنطقة كانت مستمرة طوال القرون سبب الاضطرابات الداخلية من الثورات والقلاقل التي كانت مفتعلة في كثير من الأوقات داخل البيت الإسلامي، وحركات الاستيطان والاستقرار لهؤلاء المهاجرين يلعبان دورا كبيرا في تفعيل اللغة العربية في المنطقة.

اللغة العربية فى الصومال بين الزمن القديم واليوم
اللغة العربية فى الصومال بين الزمن القديم واليوم

وكان للمنارات والقلاع العلمية في طول البلاد وعرضها والبعثات الطلابية العائدة من مصر وأرض اليمن والحجاز دورها المرموق في تعميق جذور العربية في المنطقة، كما استغلت العربية الفراغ الجانبي للغات المحلية بخصوص المهارة الكتابية في المنطقة آنذاك؛ حيث لم توضع بعد الحروف الأبجدية لبعض اللّغات المحلية من بينها الصومالية والسواحلية، مما مكّنها من أن تسد مسد ذلك الفراغ، وأوشكت تصبح اللغة الشعبية بسبب الشرائح الكثيرة التي كانت تنطق بها، وصارت مستعملة في مجالات عديدة من أبرزها: التعليم، والثقافة، والتأليف، والأدب، والإدارة، والدواوين، والقضاء، والمراسلات والمعاملات، قبل مجيء الاستعمار.

لكن بعد دخول الاستعمار الأوروبي في كثير من بلدان القارتين الآسيوية والأفريقية، بدأ العد التنازلي لدور اللغة العربية في هذه المناطق؛ حيث تبنى الاستعمار حملات لنشر اللغات الاستعمارية، وإحياء اللغات القومية، لتقليص الدور الطاغي للّغة العربية آنذاك في تلك البلدان، واستخدم لذلك أساليب ناعمة وغير ناعمة.

ففي الصومال تبوأت اللغات الايطالية والانجليزية والفرنسية محل العربية، وصرن تستخدم في مجال الإدارة والتعليم والدواوين الحكومية، واقتصر دور العربية في التعليم الديني بعد أن كانت تشمل كل ذلك، بيد أنّه كان يمشي بجانب هذا المخطط لمحو العربية رفض شعبي كان مدفوعا من قبل علماء الدين والمثقفين، الأمر الذي مكّن العربية من احتفاظ مكانتها في الصومال ولو رمزيا، وأصبحت اللغة الثانية بحكم الدستور، ولم تتوقف الحملات ضد العربية عندها، بل طاولتها اللغة المحلية؛ حيث سعت دول الاستعمار و بذلت جهودا كثيفة لتدوين أحرف اللغة الصومالية باللاتينية، بعد أن كانت تكتب بالعربية من قبل، وتم ذلك عام 1972م في عهد الحكومة العسكرية، الأمر الذي مثّل الاستدارة الظاهرة للعربية والعروبة، لكن الإصرار العربي لتعريب الصومال آنذاك لم ينهزم أمام تلك المحاولات، خصوصا وإن مشروع القومية العربية كان في أوج قوته آنذاك؛ فتم إقناع الصومال بالانضمام إلى جامعة الدول العربية، وانضمت إليها فعلا عام 1974م، وكان ذلك مكسبا سياسيا بالغ الأهمية، أنجزه مشروع التعريب بجانب الجهود الداخلية. وكانت هناك في الصومال مدارس عربية مصرية بالذات، منذ فترة قديمة، إلى جانب إيفاد بعثة معلمين للدراسة في تلك المدارس.

وكانت هناك أيضا بعثات طلابية كان يتم ابتعاثها للدراسة الجامعية في بعض البلدان العربية، من بينها مصر والسعودية بغية إخراج طبقة مثقفة بالثقافة العربية، تلك الخطوات ساهمت في بقاء العربية و تصاعد دورها في مرحلة الانهيار ؛ حيث سدّت الفراغ التعليمي الذي نتج إثر سقوط النظام و غياب دور اللغات المزاحمة لها تحت عباءة النظام، فتم افتتاح مدارس عربية تعتمد على المناهج العربية رغم التباين البيني فيما بين تلك المناهج، مدفوعة بذلك الدعم العربي السخي الذي كان يضخ المال في المؤسسات التي كانت قائمة بهذا الدور، بعد أن كانت تركز على الأدوار الأخرى في المجال الإغاثي؛ فأخرجت تلك المدارس أفواجا من الخريجين متشبعين بالثقافة العربية، والتحق بعضهم بجامعات لبعض الدول العربية، ومنها مصر والسودان واليمن والسعودية، ويمكن القول بأن الفترة ما بين عام 1995م إلى عام 2006م مثلت الفترة الذهبية لدور اللغة العربية في الصومال منذ الاستعمار.

 مثل بروز ما يسمي باتحاد المحاكم الإسلامية منعطفا تاريخيا ومرحلة مفصلية للصومال؛ حيث تزايد الاهتمام الإفريقي والغربي، مقابل انحسار الدور العربي الرسمي وغير الرسمي المتواجد في الساحة الصومالية، فقوَّى الدور الغربي حضوره في الصومال بعد أن كان مترددا وغير جاد في دعم الحكومات الانتقالية والوقوف بجانبها، فالمنظمات والهيئات الإغاثية الغربية حضرت الصومال بكل ثقلها، وشرعت الحكومات المتتابعة في العمل على واقع الأرض بشكل تدريجي، الأمر الذي أعطى فرصة للناطقين بالإنجليزية عند الجهات الرسمية وملحقيات المنظمات والهيئات الأجنبية.

بدأت بذلك الانجليزية تستعيد مكانتها في الصومال بعد غياب استمر لعقدين، وانطلقت ثورة الاهتمام بتعلم الانجليزية في البلادـ، مما أجبر المدارس والجامعات على تغيير مناهجها تكيفا مع الواقع واستجابة لمتطلبات السوق؛ حيث تم افتتاح معاهد كثيرة لتعلم اللغة الإنجليزية مشجَعة من قبل منظمات، هدفها نشر اللغة الانجليزية على نطاق أوسع؛ فأثر ذلك سلبا على العربية، وأدى إلى عزوف كثيرين عن تعلمها.

ويمكن القول بأن العربية تمر الآن بأسوأ مراحلها في الصومال نظرا للواقع الذي تهيأ لصالح الانجليزية وجعلها الطاغية في الساحة حتى عمَّ استخدامها على مستوى اللافتات التجارية، فضلا عن الأروقة الحكومية.

والشيء الملفت للنظر أيضا تصاعد دور لغات أخرى ومزاحمتها للغة العربية، ومن بين تلك اللغات اللغة التركية التي رافقت مع بروز الاهتمام التركي بالصومال عام 2011م، وتأخذ الآن اللغة التركية طريقها للانتشار في العاصمة بسبب المعاهد والمدارس التركية التي تعمل جاهدة في نشر اللغة التركية في الصومال، وكذلك بسبب البعثات الطلابية الصومالية في تركيا.

من خلال هذه الدراسة يمكننا معرفة المراحل التي مرت بها اللغة العربية في الصومال منذ وصولها إلى البلد، ويكمن اعتبار عهد ما قبل الاستعمار وقتها الذهبي، وأنها تعرضت لصفعة قوية من قبل المستعمر الغاشم بسبب الجهود التي بذلها لنشر لغته في المستعمرات التي وقعت تحت سيطرته.
فالمستعمر الفرنسي نشر الفرنسية ، والمستعمر البريطاني أذاع الانجليزية، والإيطالي إيطاليته، ولم يبق للعربية في مكانتها التي كانت تتمتع بها قبل الاستعمار، وانحسر دورها في دور العبادة، وفي كتب ومخطوطات التاريخ؛ لكنها رغم ذلك ما لبثت أن عادت إلى الساحة الصومالية كلغة لا يستهان بها بجهود محبي اللغة العربية بمختلف توجهاتهم في الصومال، وذلك بعد أن انهارت الحكومة المركزية عام 1991، وحل محل الوزارات شركات ومنظمات ربحية غير حكومية تقدم الخدمات التي كانت تقدمها الوزارات الحكومية بمقابل رمزي أو بصورة مجانية. ومن تلك الخدمات التعليم الذي له علاقة مباشرة بموضوعنا؛ حيث تولت هذه الخدمة منظمات ربحية وأخرى دعوية لا تجمعها المصالح ولا المآرب؛ ومشكلتها أنه لم تجد منهجا موحدا، بل مناهج مبعثرة هنا وهناك.

والذي لا يمكن تجاهله إبان تلك المنظمات والمعاهد أنها لعبت دور الحكومة، وأعادت للعربية مكانتها التي لطالما حلمت بها، وفي حينها دخلت كل بيت تقريبا؛ لأنه كان التعليم بحذافيره يدرس باللغة العربية من المراحل الأساسية إلى الثانوية، وكانت بعض الجامعات تستخدم العربية كلغة أساسية، وليست ثانوية.
ثم جاء وقت الانحطاط بعد المحاكم الإسلامية عام 2009؛ حيث تحولت أغلب المدارس من العربية إلى الانجليزية، وتركزَ التعليم بمراحله على الإنجليزية؛ مما أسفر عن عزوف كثيرين من أبناء هذا الشعب عن العربية.

 وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي يبذلها العدو لمحاربة هذه اللغة إلا أن الناطقين بها في البلد كُثُرٌ، والباحثين بها أكثر من أضعاف الباحثين باللغة الإنجليزية، وخير شاهد على ما نقوله مواقع التواصل الاجتماعية، ومعارض الكتب التي تقام سنويا في المدن الكبرى في البلد، والتي يعرض الكتاب فيها كتبهم ، ومؤلفاتهم؛ حيث يفوق عدد المشاركين فيها من أصحاب الثقافة العربية على غيرهم من أصحاب الثقافات الغربية.

الباحثة : صفاء مصطفى حسين – طالبة دراسات عليا
دبلوم – قسم اللغات – كلية الدراسات الإفريقية العليا
جامعة القاهرة

 

أهم المراجع:

الصومال الجديد :  اللغة العربية في الصومال بين الماضي والحاضر

قد يعجبك ايضا
اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد