Dr%20cabdiraxmaan%20bashiir
فى وقت سابق تنبه الغزالي رحمه الله أن الدولة تحتاج إلى جند للحماية ، وأن الجند يحتاج للمال ليعيش، وأن المال لا يأتى بدون تجارة رابحة ، فلا بد من رجال المال فى الدولة ، ورجال المال يحتاجون إلى سوق حر لا تتدخل فيه الدولة إلا للضرورة ، وأن كل ذلك يحتاج إلى العدل .

هذه العقلية المنضبطة فقها وقانونا ، هي التى تقررت فى الوحي الصادق ، ونقلتها التجارب الناجحة فى الدول والأمم ، ولهذا فلا وجود لدولة بلا مال ، ذلك لأن وظيفة الدولة كما يقول الفليسوف المسلم التونسي أبو يعرب المرزوقي تتمثل فى الرعاية والحماية .
فى سورة قريش لفتة عجيبة لهذا المعنى ( أطعمهم من جوع ، وآمنهم من خوف ) ، هنا كما يقول المروزوقي نجد أولوية الرعاية على الحماية ، ولكن الوظيفتين عند الدولة من المهام الإستراتيجية .

ينقل الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي بأن ابن خلدون يرى بأن الدولة ضرورة ، ذلك لأن البشر يجتمعون لهدف أسمى وهو التعاون للعيش والإحتماء ، فمسألة العيش مقدمة على الدفاع ، ولكن اليوم لا يوجد فرق بينهما ، فلا يمكن للدولة أن ترعى مجتمعها بدون حماية ، ولا تحمى مواطنيها بدون رعاية ، فالمسألة متشابكة إلى حد بعيد .

من أين تأتى الدولة المال ؟
…………………………………
إن مفهوم المال فى القرآن واسع جدا ، فالمال هو لله إبتداء ، وللجماعة كذلك خلافة ، وللأفراد نيابة عن الأمة ، فالمال له وظيفة معينة ، ولهذا من منع المال من وظيفته العامة يؤخذ منه قسرا وقوة ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما ) .
ان بعض الفقهاء لاحظوا فى المال معناه الذاتي ، فحكموا على أن الأصل فى المال الحرمة ، وهذا معنى دقيق ، ولكنه ليس مفتوحا بلا سقف ، بل هو منضبط بقواعد أخلاقية ، وفلسفية ، ذلك لأن المال مصون بجملة من النصوص ، ولكن فلا بد من ربط تلك النصوص بعضها ببعض ، وربطها كذلك بمقاصد المال فى الفقه ، والمقاصد الشرعية .

فى الوحي الأخير كلام دقيق عن المال ، فالمال ليس مذموما فى كتاب الله كشأن الأديان الأخرى ، ذلك لأن الله تبارك وتعالى أوجد المال فى الحياة ليؤدي وظيفة هامة ، ومن هنا وجدنا الكتاب العزيز يقول ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) ، فليس الإنسان أصيلا فى تملك المال ، بل هو مستخلف فيه ، وهذا الفكر يخالف الفكر الرأسمالي الذى يرى الإنسان هو المالك الحقيقي للمال ، يتصرف به كيف يشاء ، ويضع حيث يشاء منطلقا من قولهم ( دعه يفعل ما يشاء ، ودعه يمر كيف يشاء ) .

إن نظرة الوحي الأخير للمال مركبة ، ومع ما تقرر من إستخلاف إنساني للمال ، نجد أن الوحي يجعل الإنسان كفرد مالكا حقيقيا للمال إذا ملكه من وجوه شرعية ، وتصرف فيه بشكل شرعي ( وفى أموالهم حق معلوم ) ، ( خذ من أموالهم صدقة ) ، وفى قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه ) ، وفى حين آخر نجد أن الوحي يجعل المال من حق الأمة ، ولهذا نجد قوله تعالى ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) ، وفى الخطاب الأخير توجيه لقيادة الأمة ممثلة بالسلطات التنفيذية من الإمام ونوابه ، وبهذا يكون المال وفق هذا الخطاب للأمة .

إن هذا الخطاب المركب يشير بأن المال ليس للملاك بشكل أساسي ، فهم خلفاء الله فى هذا المال ، فهم ليسوا أحرارا فى الدخل والصرف ، بل هم مقيدون بالشرع ، ولا يملكون بالمال فعل الإضرار للمجموعة ، ذلك لأن حق الأمة مقدم على حق الأفراد ، ومع هذا فالإسلام يقر بالملكية الخاصة المقيدة بالأمرين معا ، ولكن بعض الفقهاء فى العصر الحديث مستهم آفة الليبرالية ، فيقدمون حق الأفراد على حق الأمة ، ولهذا يجب أن نقرأ الفقه بعيون المقاصد ، وتحت ضوء الوحي ، ومصالح الأمة .

الحكومة الصومالية ، والتهرب من الضرائب .
…………………………………………………………
لقد قدمت الحكومة فى الصومال بقيادة ( فرماجو ) مشروعا متدرجا حول دفع الضرائب لها ، ولكن البعض من التجار بدؤوا يتهربون من دفعها لسببين ، الأول يكمن فى أن السلطات المعنية لم تشرح كل الأبعاد المتعلقة بالموضوع ، ومن هنا فإننا نلاحظ نوعا من التشويش على هذه الفكرة ، أما الثانى فهو أن بعض التجار ، وهم من التيار الديني يَرَوْن بأن الضريبة ليست من الدين ، بل هي مستحدثة فى الفقه .

بادئ ذى بدء ، نطرح هذا السؤال ، هل الضريبة مستحدثة ، أم لها أشباه فى الفقه الإسلامي ؟
الضريبة ما تفرضه الدولة من المال على الأشخاص الطبيعيين ، وغير الطبيعيين ، وهي إلزامية يلتزم بها الممول بأدائها إلى الدولة .

إن الدولة الحديثة التى أصبحت مسؤولة مسؤولية كاملة عن الحماية والرعاية تحتاج إلى أموال ، وهذه الأموال لا بد من دفعها من الشعب ، وتعود فائدتها على الشعب بشكل مباشر ، أو غير مباشر ، ولهذا فالضريبة ليست ( المكس ) المذموم فى النصوص ، والتى عدها الإمام الذهبي من الكبائر ، وجعل المكاس من أكبر اعوان الظلمة ، بل هو من الظلمة ، وهذا الخلط ما زال واردا ، ذلك لأن الدولة فى العالم الإسلامي لم تتحرر بعد من سطوة الحاكم ، ولهذا نجد فى العالم الإسلامي التهرب من دفع الضرائب ، وهذا أمر وارد ، والسبب هو أن المال العام ما زال مالا للحاكم يفعل به ما يشاء ، فهو مكس بلغة عصرية .

لقد نجحت الدول المتقدمة فصل السلطات عن الدولة ، فالسلطات تخدم للدولة ، والدولة تخدم للشعب ، والشعب هو منبع السلطات ، ولهذا فلا وجود لفكر ( المكس ) فى الدول المتقدمة ، ذلك لأن الشفافية صارت هي المحك ، فالشعب من خلال زر فى جهازه الإلكتروني يعرف مآلات الضرائب التى تم دفعها من الأفراد ، ومن هنا فلا وجود للمخاوف عند الدول المتقدمة .
نحن اليوم نحتاج إلى ثلاثة أمور فى هذا المجال وهي :

أولا : ما موقف الفقه الإسلامي من دفع الضرائب ؟
لدينا مدارس ثلاثة ، مدرسة تحيز إطلاقا ، ومدرسة ثانية تمنع إطلاقا ، والمدرسة الوسطية التى تحيز تشريع الضرائب ، ودفعها للدولة بشروط ، وهذا هو الراجح ، وعليه غالب أقوال الفقه ، وإليكم بعض كلامهم :
- فى حاشية رد المحتار من الأحناف نجد جواز فرض الضرائب على الناس إدا كانت هناك حاجة تدعو إليها ، ويسمى بعض فقهاء الأحناف الضريبة ( النوائب ) .
- يرى الشاطبي من المالكية بأنه يحق للإمام فرض الضريبة على الناس لظروف خاصة ، ولهذا يقرر العلامة الشاطبي : إذا قررنا إماما مطاعا مفتقدا على تكثير الجنود لسد حاجة الثغور ، وحماية الملك ، المتسع الأقطار ، وخلا بيت المال ، وارتفعت حاجات الجند إلى مالا يكفيهم ، فللإمام إذا كان ( عدلا ) أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم فى الحاجات إلى أن يظهر مال فى بيت المال ، ويرى القرطبي على أن كلمة العلماء إجتمعت على ما يلى : إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد آداء الزكاة ، فإنه يجب صرف المال إليها ، بل وقال الإمام مالك : يجب على الناس فداء الأسرى وإن استغرق ذلك أموالهم .
- يؤكد الشيخ الغزالي من الشافعية بأنه إدا خلت الأيدى من الأموال ، ولَم يكن من مال ما يفي بخراجات العسكر ، ولو تفرق العسكر ، واشتغلوا بالكسب ، لخيف دخول العدو ديار المسلمين ، أو خيف ثوران الفتنة ، ولهذا يرى جواز توظيف مقدار من المال على الأغنياء كضريبة .
- أجاز الحنابلة أيضا ، بل جعل ابن تيمية أن الكلف السلطانية ، أو ما يأخذه الإمام من أموال الأغنياء عند الحاجة من قبيل الجهاد المالي ، وإلى هذا ذهب ابن حزم من الظاهرية .

إن الفقهاء الذين أجازوا تشريع الضريبة ودفعها للدولة يشترطون بشروط عدة ، منها ، أن تكون ثمة حاجة حقيقية للدولة إلى المال ، وفقدان موارد أخرى تسد الفراغ المالي ، وأن لا تكون مرهقة بحيث تجعل الضرائب بلا سقف ، أو أن لا تكون تابعة لأهواء الحاكم ، كما يجب ان تكون بالعدل ، فلا تكون مفروضا على بعض الفئات دون الفئات ، وأن يتم صرفها فى المصالح العامة للأمة ، ويضيف بعض الفقهاء موافقة أهل الشورى ، ذلك لأن الأصل فى المال الحرمة .

ثانيا : إن هذه الخطوة نحو ترسيخ مفهوم الدولة فى العقل الصومالي مهمة ، ولكن الأمر يحتاج إلى إقناع الشارع بضرورة هذه الخطوات ، فلا يمكن للدولة أن تكون ذَا مقدرة بدون حماية كاملة لحدودها ، وبدون أن تقدم رعاية كاملة لشعبها ، وهذا مرتبط بفقه الدولة ، كما يرتبط بسط هيبة الدولة على الجميع ، وذلك غير ممكن بغياب المال .

ثالثا : يجب على التجار أن يتجاوزوا عقلية التاجر المحتكر للسوق ، والمال ، فهذه العقلية التى لا تفهم منطق ( أربح - وتربح ) ، تؤدى إلى إدامة حالة ( اللادولة ) ، وهي حالة لا تفيد الشعب الصومالي ، ولهذا سوف يبقى الشعب تحت الإحتلال الأجنبي .

لدينا التجربة الثرية فى الدول الإسكندنافية الناجحة فى خلق المجتمع المتكافل ، ذلك لأن هذه الدول نجحت فى إيجاد جسر بين محاسن النظام الرأسمالي ، ومحاسن النظام الإشتراكي ، فلا يوجد فى هذه الدول فقيرا يموت فقرا ، وغنيا يموت غنى ، فالطبقة الوسطى هي الأكثر ، والسبب هو أن الدولة تفرض على الأغنياء ضرائب عالية لصالح الفقراء ، وتطالب من الفقراء أن يخرجوا من رق الفقر ، فهذه التجربة مستوحاة من الفكر الفقهي الإسلامي حيث نجد الأثر الذى يقول : إن الله فرض على أغنياء المسلمين فى أموالهم بالقدر الذى يسع فقراءهم .

يقول الإمام الجويني شارحا لمفهوم الضريبة : ما يأخذه الإمام من مياسير البلاد ، والمثرين من طبقات العباد بما يراه سدّا للحاجة ، فهذا النوع من التعريف هو الذى أخذ فقهاء القانون المالي ، ويجب ملاحظة كلمات : المياسير ، والمثرين ، وهذه تعنى فى لغة العصر ، أهل الثّراء ، والإقتدار ، وهو ما تفعله السويد ، وفنلندا ، والدنمارك ، والنرويج ، وكندا .

إن الثراء الملحوظ فى هذه الدول ليس ناتجا من النفظ ، ولا من المعادن الموجودة فى هذه البلاد ، بل هو ناتج من العدل فى توزيع الثروة ، فلا يكون بيت المال خاليا من المال ، ولهذا فلا يخلو بيت من المال ، تلك هي حكمة الزكاة والضريبة .

يقول أبو يعرب المرزوقي رحمه الله : الدولة الحديثة ليست دولة أمراء ولا قبائل ، بل هي دولة مواطنين أحرار ، لا تستخدم قيم الدين المحرفة ، بل هي تخدم قيمه السوية بمؤمنين أحرار .
نحن اليوم وجدنا أن الدولة السعودية ذات الوفرة المالية تعيش بؤسا إقتصاديا كما ذكرت جريدة الشرق الصادرة فى الثانى عشر من فبراير عام ٢٠١٨م ، وكما نقلت كذلك مؤشر بلومبرغ .

إن الخروج من ضيق دولة القبيلة ( الصومال ) نموذجا إلى باحة الدولة الحديثة ، ومن ضيق دولة الأمراء ( السعودية ) نموذجا إلى الدولة المعاصرة بات ضرورة ، ومن هنا نستطيع أن ننجح فى حماية الوطن ، ورعاية المواطن ، والأزمة عندنا هو أن البعض عندنا يدعى أنه يحمي الوطن من المواطن ، وذلك هو السقوط الأخلاقي فى عالمنا الإسلامي .

Cheick Abdourahman Bachir