·          استخدام اللغات الأوربية في التعليم في أفريقيا

يعد التعليم أحد الساحات التي يتبدى فيها أثر اللغات الأوربية على الدول الأفريقية بوضوح؛ فرغم مرور حوالي نصف قرن على تحرر غالبية الدول الأفريقية وشروعها في بناء نظمها التعليمية إلا أنه من الملاحظ أن غالبية الدول الأفريقية، وخاصة الدول الأفريقية خارج نطاق العربية، ما زالت تتبع سياسات تعليمية تستخدم فيها لغات المستعمر السابق باعتبارها اللغة الأساسية للتعليم مع الاكتفاء بتدريس اللغات المحلية الأفريقية كمواد دراسية، بل أنه في بعض الأحيان نجد أن اللغات المحلية لا تستخدم مطلقاً في مجال التعليم. ويبدو أن السبب الذي يكمن وراء هذه السياسة هو الاعتقاد بأن لغات المستعمر السابق هي الوحيدة الجديرة بالاستخدام في هذا المجال.

ففي كينيا على سبيل المثال، نجد أن السياسة اللغوية والتعليمية المتبعة تقضي بتعلم لغة المقاطعة المعينة للتعليم في السنوات الثلاث الأولى من المدرسة الإبتدائية، والتي يتم خلالها أيضا تعليم اللغة الإنجليزية والسواحيلية كمواد دراسية، واللغة المحلية للمقاطعة هذه قد تكون واحدة من بين40 لغة محلية في كينيا. وبداية من السنة الرابعة من التعليم الإبتدائي فصاعداً يبدأ استخدام اللغة الإنجليزية، اللغة الرسمية للدولة، كلغة للتعليم([1]). وفي إثيوبيا تنص السياسة اللغوية في مجال التعليم على أن تكون لغة التعليم الأوَّلي هي لغة الإقليم المحلية في حين يتم تدريس الإنجليزية كمادة دراسية، وأن يتم تعليم اللغة الأمهرية كلغة تعامل عبر أنحاء إثيوبيا من خلال تدريسها كمادة دراسية في الحلقة الأولى من التعليم الثانوي والتي تمتد لسنتين، كذلك تنص هذه السياسة على أن تستخدم اللغة الإنجليزية كلغة للتعليم الثانوي والتعليم العالي([2]). أما في تنزانيا فنجد أن اللغة السواحيلية تستخدم كلغة للتعليم في المرحلة الإبتدائية في حين يتم تدريس الإنجليزية كمادة دراسية، وفي المرحلة الثانوية والجامعية تستخدم الإنجليزية كلغة للتعليم في المرحلة الثانوية([3]). وفي نيجيريا يدرس الطلاب بلغة الأم خلال السنوات الثلاثة الأولى من التعليم الأوَّلي ثم يستكملون بقية المراحل التالية باللغة الإنجليزية اللغة الرسمية للدولة([4]).

ولا يختلف الوضع كثيراً في العديد من الدول الأفريقية؛ حيث تستخدم اللغات الأجنبية في التعليم بنسب متفاوتة من بلد لآخر ومن مرحلة لأخرى ولكن يمكن إيراد النسب التالية كمتوسط لاستخدام اللغات المحلية واللغات الأجنبية في التعليم في الدول الأفريقية غير الناطقة بالعربية:

اللغات الأوربية

اللغات الأفريقية

 

30%

70 %

التعليم الإبتدائى:

75%

25%

التعليم الثانوي:

 95%([5])

 5%

 التعليم العالي:

ومن خلال هذه الإحصائية يتضح حجم استخدام اللغات الأجنبية في التعليم في الدول الأفريقية وخاصة في الدول الأفريقية غير الناطقة بالعربية؛ حيث تزداد هذه النسبة بالتدريج وتتصاعد من التعليم الأوَّلي فالتعليم المتوسط فالتعليم العالي.

وهكذا يتضح لنا وضع اللغات الأوربية في أفريقيا وخاصة على المستويين الرسمي والتعليمي، فقد فرض الاستعمار لغاته واستبدل اللغات الأفريقية بلغات السلطات الاستعمارية مما ضمن لها مكانة رفيعة ووضعاً متميزاً مقارنة باللغات الأفريقية الوطنية. واللافت للنظر أن هذا الوضع استمر بعد استقلال الدول الأفريقية ولم يتغير إلا بشكل طفيف وغير مؤثر.

ولكن ما يلفت النظر أنه وعلى الرغم من أن اللغات الأوربية استقرت في إفريقيا لأكثر من ثلاثة قرون، إلا أن كثير من الدراسات التي جرت في مختلف أنحاء القارة تؤكد على فشل هذه اللغات في أن تتحول إلى لغات تعامل ذات انتشار واسع؛ حيث تقتصر فقط على شرائح معينة من النخب والمثقفين فيما يعاني بقية الشعب من الأمية والجهل. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، يُذكر أن واحداً فقط من بين كل خمسة وعشرين زائيري يمكنه التحدث بالفرنسية بشكل صحيح، وأن واحداً فقط من بين كل ثلاثين زائيري يمكنه أن يكتب بالفرنسية بشكل صحيح([6]). أما في إفريقيا الأنجلوفونية فإن التقارير البحثية تشير إلى أن نسبة صغيرة فقط والتي تتراوح ما بين 5% إلى20% هي التي يمكنها أن تتواصل باللغة الإنجليزية([7]). ففي جنوب إفريقيا يشير تقرير حديث صادر عن وزير التعليم أن هناك حوالي اثني عشر مليون مواطن من أبناء جنوب إفريقيا أميون، وأن حوالي عشرين مليوناً آخرين، معظمهم من أطفال المدارس، لا يمكنهم القراءة بطلاقة بأي لغة من اللغات بما فيها لغة الأم([8]). وكذلك ذكر بعض الباحثين أن عدد من يجيدون اللغة الإنجليزية في زامبيا قد تناقص بشكل كبير منذ الاستقلال([9]). والوضع في إفريقيا الناطقة بالبرتغالية (اللوسوفون) لا يختلف عن هذا الوضع كثيرا، فقد ذكر هينيز أن أقل من10% من الشعب هناك يمكنه استخدام اللغة البرتغالية([10]).

وهكذا فإنه على الرغم من سيطرة اللغات الأوربية على زمام الأمور الثقافية والتعليمية والسياسية في معظم الدول الإفريقية بحيث صارت لغة الإدارة والصحف والتعليم واللغة التي تدار بها المناقشات السياسية والمعاملات الاقتصادية الكبرى، إلا أنها لم تتحول للغات للعامة تؤثر في حياتهم وثقافتهم اليومية، ولكنها عزلتهم عن المشاركة في تسيير شئونهم وشئون مجتمعاتهم التي ظلت في يد النخب الحاكمة، وظلوا يستخدمون لغاتهم المحلية في تصريف شئونهم وفي ممارسة حياتهم اليومية.

كذلك تجدر الإشارة إلى أنه رغم الثروة الكبيرة التي تمتلكها قارة أفريقيا من اللغات المحلية، إلا أن هناك عدد قليل فقط من بين تلك اللغات يحظى باستخدام رسمي أو يتمتع بدور متميز وسط المشهد اللغوي الأفريقي. وتأتي اللغة العربية في مقدمة هذه اللغات حيث اعتمدت كلغة رسمية في إحدى عشر دولة أفريقية؛ فهي اللغة الرسمية الوحيدة في سبع دول أفريقية هي: مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والسودان وموريتانيا. وهي اللغة الرسمية بالمشاركة مع لغة أوربية أو لغة محلية في أربع دول أفريقية أخرى؛ فقد اختارت تشاد وجزر القمر وجيبوتي اللغة العربية لغة رسمية لها إلى جانب اللغة الفرنسية، بينما اختارت الصومال العربية لغة رسمية لها إلى جانب اللغة الصومالية. كذلك تحظى اللغة السواحيلية بدور واستخدامات هامة، وخاصة في منطقة شرق أفريقيا، فهي اللغة الرسمية لتنزانيا ولغة التعليم ولغة وسائل الإعلام إلى جانب اللغة الانجليزية، وهي لغة التعامل مشترك Lingua franca في معظم أنحاء شرق أفريقيا في كينيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وأجزاء من الكونغو. وفي غرب أفريقيا تتمتع لغة الهوسا بمكانة بارزة حيث تنتشر في نيجيريا وخاصة في الجزء الشمالي منها وفي النيجر وشمال الكاميرون وفي تشاد وتصل حتى السودان، ويبلغ عدد متحدثيها حوالي50 مليون متحدث كلغة أم بالإضافة إلى50 مليون يتحدثونها كلغة ثانية([11])، حيث تعد لغة التعامل المشترك في معظم أنحاء غرب أفريقيا.

كذلك هناك عدد من الدول نصت دساتيرها على اعتبار بعض اللغات الأفريقية لغات رسمية لها إلى جانب لغة أوربية فقد تم اعتماد لغة الكيروندي في بوروندي والكينيارواندي في رواندا ولغة المالاجاشي في مدغشقر لغات رسمية إلى جانب اللغة الفرنسية. كما أعتمدت لغة التسوانا في بتسوانا واللغة السواحيلية في كينيا ولغة السوتو في ليسوتو ولغة الشيشوا في مالاوي ولغة السواتي في سوازيلاند باعتبارها لغات رسمية إلى جانب اللغة الإنجليزية، وفي جنوب أفريقيا تم الاعتراف بعشر لغات أفريقية محلية كلغات رسمية إلى جانب اللغة الإنجليزية. وفي الصومال تم اعتماد اللغة الصومالية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية([12]). ومن اللغات المحلية التي تتمتع بمكانة ووضع شبه رسمي نجد اللغة الأمهرية في إثيوبيا، حيث أقرت إثيوبيا في دستورها اللغة الأمهرية كلغة للعمل والإدارة working language([13]).

ويمكن الاستفادة من وجود هذه اللغات المحلية وخاصة اللغات الكبرى ذات الانتشار الواسع واللغات ذات الوضعية الرسمية وتوظيفها للوصول إلى أكبر عدد من الأفارقة بهدف العمل على تعزيز ودعم المصالح المشتركة وتنمية الوعي بالانتماء الأفريقي والقضايا الأفريقية.

·          الخاتمة

وهكذا وبعد استعراض الدراسة للمشهد اللغوي في أفريقيا، يبدو المشهد اللغوي الأفريقي بلغاته المحلية التي تزيد عن الألفين لغة، بالإضافة إلى اللغات الأوروبية الوافدة بوضعها ومكانتها المميزة مشهداً يتسم بالتعقيد الشديد، حيث تمثل التعددية اللغوية ظاهرة لافتة للانتباه وملمحاً بارزأ في كثير من دول القارة، كما يمثل تحدياً كبيراً أيضا، الأمر الذي يتطلب وعياً كبيراً للتعامل مع هذا المشهد. فهذه التعددية اللغوية ينبني عليها بلا شك ثقافات متباينة وهويات متداخلة تحتاج لكثير من التحليل والتبصر للتفاعل معها، فعندما نتعامل مع مشهد مماثل يجب أن ندرك أننا نتعامل مع ثقافات أفريقية عدة وليست ثقافة أفريقية واحدة، لكل منها سماتها ومميزاتها ومداخلها، وإن كانت تجمعها ملامح عامة أساسية يمكن الاستناد إليها والإنطلاق عبرها.



[1]-Webb,Vice, Kembo-Sure (2001): ”African Voices”, Op.cit., p. 288.

[2]-Colin Baker and Sylvia Prys Jones (1998): ”African Languages”, in “Encyclopedia of Bilingualism and Bilingual Education-Multilingual Matters Ltd.” pp.355-367. http://chora.virtualave.net/afrilang1.html

[3]-Webb,Vice, Kembo-Sure (2001): ”African Voices”, Op.cit., p.288.

[4]- بابكر حسن قدرماري(2006): "كبرى اللغات الأفريقية ودورها في التواصل بين شعوب القارة الأفريقية"، ص 71، في "اللغات في أفريقيا مقدمة تعريفية"، جامعة أفريقيا العالمية، الخرطوم، ص ص 43-81.

[5]-Karl E. Gadelii (2004): “Annotated Statistics on Linguistic Policies and Practices in Africa”, pp. 28-29.

      www. http://www.african.gu.se/downloads/gadeliireport.pdf

[6]-Rubango, N. Ya (1986): “Le Francais au Zaire: Langue ‘Superieure’ et chances de ‘survie’ dans un pays Africain”, in Language problems and Language Planning, vol. 10, no 3, p.267.

[7]-Samuels, J. (1995) :”Multilingualism in the Emerging Educational Dispensation”, in “proceedings of SAALA”, vol. 15,University of Stellenbosch, p.31 .

[8]-Sunday Times (Johannesburg), 16 April 2000.

[9]-Tripathi,P.D.(1990):“English in Zambia: The nature and prospects of one of Africa’s ‘new English”, English Today, vo.l6, no. 3, p.38 .

[10]-Heines, B.(1992): ”Language policies in Africa”, in R Herbert (ed), Language and Society in Africa: The Theory and practice of Sociolinguistics, Johannesburg: Witwatersrand University press, p.27.

[11]- http://www.nalrc.indiana.edu/brochures/hausa.pdf

[12]-Webb,Vice, Kembo-Sure (2001): ”African Voices”, Op.cit., pp. 321-312.

[13]-Constitution of The Federal Democratic Republic of Ethiopia (FDRE).

       http://www.telecom.net.et/~apap/EthiopianLagalDocs.HTM.