·        المشهد اللغوي في أفريقيا

يتميز المشهد اللغوي الأفريقي بالتعقيد الشديد؛ حيث تمثل التعددية اللغوية ظاهرة لافتة للانتباه في كثير من دول القارة، الأمر الذي يمثل تحدياً كبيراً يواجه القارة وغالبية دولها. وتمتلك أفريقيا عدداً كبيراً من اللغات المحلية يزيد عن الألفي لغة كما تشير المراجع والتقارير الحديثة([i])، هذا بالإضافة إلى عدد آخر من اللغات الأوربية التي رافقت الاستعمار الغربي في دخوله لأرض أفريقيا واستقرت معه، ولكنها أبت أن ترحل معه فرحل الاستعمار وظلت لغاته بيننا ولم تفارقنا حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على رحيل صاحبها.

وتنعكس هذه التعددية اللغوية وتتكرر في كثير من دول القارة وخاصة في دول أفريقيا جنوب الصحراء فنيجيريا على سبيل المثال تضم400 لغة محلية، وتضم إثيوبيا ما بين70–80 لغة محلية، وتتبنى دولة جنوب أفريقيا إحدى عشر لغة رسمية، ناهيك عن بقية اللغات المحلية بها، ويتكرر نفس الأمر في العديد من الدول الأفريقية الأخرى. وحتى الدول التي يمكن اعتبارها من الدول المتجانسة لغوياً نجد أنها لا تخلو من هذه التعددية اللغوية؛ فمصر على سبيل المثال تضم أربع لغات محلية هي: اللغة العربية واللغة النوبية بلهجاتها، واللغة السيوية (الأمازيغية) إلى جانب لغة البيجا التي تنتشر بين سكان مصر من البيجا الذين ينتشرون عبر جبال البحر الأحمر وحتى السودان، ناهيك عن العامية المصرية واللغات الأوربية المستخدمة في مجالات عديدة كالتعليم والإعلام والاتصالات والتجارة... الخ.

ولدراسة اللغة والأوضاع اللغوية في أى مجتمع أهمية كبيرة؛ حيث تعد اللغة مكوناً جوهرياً لثقافة متكلميها ومجتمعهم، فهي إحدى أهم الركائز والمقومات المكونة للهوية، وهي وسيلة التعبير عن الذات ووسيلة نقل الأفكار وهي الأساس الذي تقوم عليه رؤية الناس للعالم المادي والروحي من حولهم، وكل لغة من اللغات تعكس رؤية فريدة للعالم وتعكس الطريقة التي حل بها مجتمع ما مشكلاته في التعامل مع العالم، وكون تفكيره ونظام فلسفته وإدراكه للعالم من حوله، وعلى ذلك فاللغة هي الوعاء الحامل للتراث والحاوي لتاريخ الشعوب وأبرز جوانب هويتها. ولذا فإن التعرف على المشهد اللغوي وتحليله في مجتمع ما يعد مدخلاً هاماً لفهم ذلك المجتمع والتعرف على ثقافاته وإدراك أهم ملامح هويته، ناهيك عن التفاعل معه ومشاركته الآمال والأحلام والمهام والمسئوليات.

وفي السطور التالية تلقي الدراسة الضوء على المشهد اللغوي في القارة الأفريقية وذلك من خلال الحديث عن عدد اللغات الأفريقية وقرابتها بعضها ببعض ومدى امكانية توزيعها على فصائل ومجموعات لغوية أكبر وفقاً لهذه القرابة، مع الإشارة لأهم تلك اللغات ومناطق انتشارها وعدد متحدثيها وأهم استخداماتها. كما توضح الدراسة أيضا وضع ومكانة اللغات الأوربية في المشهد اللغوي الأفريقي، وموقف اللغات الأفريقية المحلية من التحديات التي تواجهها وخاصة في ظل منافسة اللغات الأوربية الدخيلة لها على صدارة المشهد اللغوي في أفريقيا.

أولاً: اللغات المحلية في أفريقيا

تضم قارة أفريقيا عدداً كبيراً من اللغات المحلية يزيد عن الألفي لغة، وتصل بها أحدث التقديرات إلى2035 لغة([ii]) أي حوالي ثلث عدد لغات العالم تقريباً، والتي يقدرها البعض بحوالي6604 لغة([iii]). وتتوزع هذه اللغات على خمس فصائل لغوية كبيرة على أساس القرابة اللغوية فيما بينها، وفيما يلي نتناول هذه الفصائل اللغوية بشيء من التفصيل.



[i]-Heine, Bernd & Nurse, Derek (2000):”African languages An Introduction”, Cambridge University Press, p.1.

- "أصل اللغات واللهجات الأفريقية"، مجلة أفريقيا قارتنا، العدد التاسع – ديسمبر 2013، الهيئة العامة للاستعلامات – مصر.

[ii]-Heine, Bernd & Nurse, Derek (2000):”African languages An Introduction”, Op.cit, p.1.

[iii]-Webb,Vice, Kembo-Sure (2001): ”African Voices”, Oxford university press, p27.