"حالة تركيا، سوريا"

      يرجع وجود الأكراد في سوريا إلي فشل وانهيار ثورة الشيخ سعيد بيران وكذلك الثورات اللاحقة لتك الثورة؛ فقد حاولت جلها التصدي لظلم وبطش مصطفي كمال"جون ترك" وحاشيته مفكك الدولة العثمانية، حيث يشكل الأكراد في سوريا حوالي"10%" من مجمل السكان في البلاد ،و تعود جذور الأغلبية الساحقة من الأكراد في  سوريا إلى الأكراد في تركيا ؛الذين فروا من ظلم الدولة العثمانية.كما أسلفنا"[1]".

  ويتركز الأكراد في سوريا في المنطقة الواقعة على الحدود السورية العراقية التركية،حيث يقطنون في الجزيرة العليا ، كذلك إقليم دجله ومدينة القامشلي في لواء الخابور،وهناك منهم في ولاية الحسكة ؛كما يتواجدون في ولاية حلب ،حيث جبال الأكراد وتعد مدينة "افرين. Afrin"مركز الأكراد هناك ،ويتواجدون في دمشق حيث يوجد حي خاص بهم يسمي "الشالحيه" يحتوي على أكر من ثلاثين ألف من السكان الأكراد ،كما توجد أعداد كثيرة منهم في مناطق مختلفة،كنتيجة للهجرات المستمرة الناتجة عن أعمال القمع في تركيا..الخ"[2]".      

   والقمع التركي للأكراد انعكس على الأمن القومي في سوري بسبب الحدود المشتركة بين سوريا وتركيا ،وخاصة وأن هناك ترسبات وخلافات جوهرية ترجع إلي فترة الهيمنة التركية على الوطن العربي تركة بصماتها،بحيث أضحي هناك تنافر بينهما ،بالرغم من الرابطة الدينية التي تربط بين الشعبين ،فالدول العربية تشعر بأنها مهددة من تركيا بسبب علاقتها المشبوهة مع لاعبين إقليمياً ،أو دوليين. بالتالي يصعب التخلص من هذا الإرث التاريخي،وخصوصا علاقتها الوطيدة مع دولة الكيان الصهيوني ،وأطماعها الواضحة في بعض الأقطار العربية ، كذلك دخولها لحلف الناتو المعادي للأمة العربية والإسلامية  ،وإجمالاً تكمن الخلافات العربية التركية ،في الأسباب الآتية :

1ـ احتلالها للواء الاسكندرونة و تتريك وتهجير سكانه العرب .

2ـ الأطماع الإقليمية في سوريا والعراق والتعدي على حقوق العرب المائية فيها.

3ـ تأييدها المستمر للوجود الصهيوني في الأراضي العربية .

4ـ انضمامها لحف الأطلسي الذي يكن عداء للأمة العربية"[3]".  

    وبالتالي انعكس سلباً على المسألة الكردية التي مثلت منعطف خطير للخلاف والصراع في العلاقات التركية- السورية منذ عام 1984م، فقد أدي ذلك  إلى جعل المسألة الكردية ودعم سوريا لحزب العمال الكردستاني أخطر القضايا الخلافية فكادت أن تصل بالعلاقات بين البلدين إلى حافة المواجهة العسكرية عام 1998م. فارتفاع حدة المعارك بين الحكومة التركية ومقاتلي الحزب في ذات العام ، وإصرار تركيا على حسم التمرد الكردي، وبمساندة إسرائيلية في حينها، حيث رأت الحكومة التركية أنها قوية لمواجهة سوريا، والضغط عليها وتهديدها إما بالحرب أو بتسليم زعيم الحزب عبد الله أوجلان وطرد مقاتليه من سوريا"[4]".

وانطلاقاً من ذلك بداء الصراع بين تركيا وسوريا منذ تلك الفترة ، فهدد كبار المسئولين العسكريين والمدنيين دعم سوريا للأكراد ، حيث صرح الرئيس التركي بالانتقام من سوريا لدعمها حزب العمال الكردستاني وشن حرب عسكرية عليها في حال عدم الرضوخ لمطالبها. وبالمقابل تعامل الطرف السوري بهدوء في هذه الأزمة، وتدخلت كلاً من مصر وإيران بالوساطة لتطويق الأزمة التي انتهت بتوقيع اتفاقية أدنه عام 1998م بين تركيا وسوريا، ووفقًا لهذه الاتفاقية تم إخراج عبد الله أوجلان من سوريا وقطع المساعدات عن حزبه، وعدم السماح "لأوجلان" بالعودة إلى سوريا، وتفعيل التعاون الأمني والاستخبارات بين البلدين، كما اتفقا على ألا تكون الأراضي التركية أو السورية مصدر لتهديدات أخرى. وتبعًا لذلك، تحولت العلاقات التركية- السورية من التوتر والتأزم إلى علاقات متميزة وإستراتيجية إلي قيام الثورة في سوريا"[5]".

   فقد كان لتركية وسورية مخاوف مشتركة حيال المسألة الكردية، خلال الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م ، خوفًا من انتقال تأثيرات هذه التطورات التي حدثت لأكراد العراق الذين تمكنوا من تشكيل منطقة حكم ذاتي في شمال العراق منذ العام1991م"[6]".

     كما قام الأكراد  في ظل تلك الأحداث بتنميتها بعد سقوط النظام العراقي في عام 2003م، حيث حصل الأكراد في العراق على عديد من الامتيازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد أدى وقوفهم إلى الجانب الأمريكي في احتلال العراق إلى حصولهم على وضع شبه مستقل، وكذلك الاعتراف به بصورة قانونية في قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية، ويشير هذا إلى تحقيق أهداف الحركة الكردية في العراق، والتي قد تدفع بدورها الأكراد في الدول المجاورة للثورة والتمرد للحصول على المساواة بأكراد العراق الذين حصلوا على الامتيازات وفي مقدمتها :

1- أصبحت حكومة إقليم كردستان العراق تمارس سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة عن الحكومة المركزية في عدد كبير من القضايا والمجالات.

2- أصبح وضع إقليم كردستان العراق مصان دستوريًا ومضمون دوليًا، فقد ضم الدستور العراقي الجديد النظام الفيدرالي وسلطاته.

3- قد حصل الإقليم على مدى واسع من الصلاحيات والاستقلال الإقليمي حتى بالمقارنة بالأقاليم الأخرى في الدول المتقدمة"[7]".

وبالتالي حصل تخوف لدى كل من تركيا وسوريا من أن يكون لتلك الأحداث انعكاسات على المسألة الكردية في دولهم، والتي تعاني من عدم استقرار بسبب المسألة الكردية. ففي سوريا كان الهدف الرئيسي للنظام السوري، هو إذا حصلت حكومة إقليم كردستان العراق على نظام ديمقراطي وتنمية اقتصادية ،وهي قريبة من الحدود السورية. وبالتالي سوف تثير قلقًا حيال نهوض أكراد سوريا من أجل المطالبة بتحسين أحوالهم المعيشية، خاصةً وأن الأكراد في سوريا عانوا منذ وصول حزب البعث للسلطة من قيود ومضايقات عديدة كالتجريد من الجنسية وسياسة التعريب وتهجيرهم وإسكان العرب في مناطقهم، وغيرها من عمليات القمع والتضييق، مما أوجد جماعات معارضة كردية سورية منظمة، ولديها دوافع وآمال بالحصول على حقوقها وتعويضات عن المظالم، وفي تلك الفترة كان الرئيس السوري "بشار الأسد" قد تسلم السلطة حديثًا، والنظام السياسي في البلاد كان ضعيف بما يكفي لأن تتمكن الأحزاب الكردية بزمام المبادرة في تنظيم معارضة كردية ضده والضغط عليه، الأمر الذي دفع الرئيس السوري "بشار الأسد" عام 2003م، بزيارة المناطق الكردية ووعد بأن الحكومة ستنظر إلي مطالب الأكراد حقوقهم، لكن لا يجب أن تستخدم هذه الحالة كورقة لزعزعت  الاستقرار"[8]".  

   ولكن الأمر بالنسبة لتركيا كان مختلف، حيث ركزت الحكومة التركية، ليس فقط على التهديدات العسكرية الكردية الخارجية فقط، بل وعلى احتمالات لجوء الحركات الانفصالية الكردية إلى العنف أيضًا، بما يعرض أمنها واستقرارها الداخلي للمخاطر، وتبعًا لذلك، احتفظت الحكومة التركية بالآلاف من قواتها العسكرية في المناطق الجنوبية الشرقية ذات الأغلبية الكردية، خوفًا من مطالبة الأكراد بالحكم الذاتي. ومما زاد من تخوف كل من البلدين، وقيام بعض مظاهر العنف في المناطق ذات الغالية الكردية في كل من تركيا وسوريا. حيث اندلعت أعمال شغب في المناطق الكردية في سوريا في مارس 2004م، عقب شجار وقع بين مشجعي نادي كرة قدم كردي وعربي، وقد توسعت الاحتجاجات لتشمل المطالبة بالحقوق الكردية، و مساواتهم بنظرائهم بالعراق، خاصة وأن الرئيس السوري بشار الأسد قد فشل في تحقيق وعوده بحل المشاكل التي يعاني منها الأكراد"[9]".

    وبالمقابل أثرت الأوضاع الإقليمية على مسار المسألة الكردية بها، فقد أغرى التقدم الذي شهده وضع أكراد العراق، أكراد تركيا إلى المطالبة بنفس الحقوق، وظهر ذلك واضحاً بعد قيام "فصيل" من مقاتلي حزب العمال الكردستاني بالتخلي عن وقف إطلاق النار بين الجانبين، كنتيجة لفشل الحكومة التركية في إعطائهم حقوقهم وتحسين أوضاعهم ، وهو الأمر الذي مثل تهديدًا للأمن القومي التركي. حيث اتخذ حزب العمال الكردستاني من جبال قنديل شمال العراق مقرًا له، وباشرت قواته التسلل بأعداد كبيرة إلى تركيا مما زاد بدوره اتساع نطاق عملياتها العسكرية ضد القوات التركية، حيث مثل تجديدًا للتحدي وخطر المسألة الكردية على الأمن القومي  في تركيا ،كنتيجة لهذا التطور في جنوب شرق البلاد ذات الأغلبية الكردية "[10]". وفي إطار ما سبق ، مثلت متغيرات المسألة الكردية  قبل وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، والخوف من ظهور دولة كردية في شماله، هاجس للتوافق بين كل من تركيا وسوريا، إذ بدت المسألة الكردية عنصر قلق سياسي وأمني لكل من هذه الدول، خاصة تركيا التي يوجد لديها أكبر عدد من الأكراد مقارنة بسوريا والعراق"[11]".

وقد أثبتت الخبرة التاريخية، بأن الحركة في كل الدول، التي تتواجد بها جماعات كردية، تتأثر بقوة التطورات والمتغيرات الإقليمية، والتي تعمل على التأثير على وضع الأكراد في أي مكان يتواجدون فيه، فعلى سبيل المثال، فقد أثرت الحركة الكردية في العراق إبان ظهور مكانة الملا مصطفى البرزاني، وتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في شمال العراق، وصعود القومية الكردية هناك على زيادة الأنشطة الكردية في تركيا منذ الستينات فصاعدا، وأيضًا عندما تمكن أكراد العراق عام 1991م كما أسلفنا ، من الحصول على الحكم الذاتي في شمال العراق، كان هناك تخوف تركي من انتقال النزعة الانفصالية الكردية. بما يعني تأثر الحركة الكردية في تركيا وغيرها من الدول بالتطورات الإقليمية للمسألة الكردية، والذي يعني بدوره حرص واهتمام كل من تركيا وسوريا بتطورات الوضع الإقليمي للمسألة الكردية وانعكاساتها على كل منها. وفي واقع الأمر، فإن الأساس الإقليمي المشترك للاستجابة ظهر قبل انتهاء الأعمال العسكرية ضد العراق، عندما بدأت تركيا محادثات ثنائية ومشتركة مع كل من سوريا وإيران بهدف التوافق بشأن السبل الممكنة لمعالجة الآثار المتوقعة على الحركات الكردية، بعد إسقاط النظام السياسي في العراق.

وتبعًا لذلك، قامت تركيا بالتنسيق والتعاون مع سوريا في التعامل مع المسألة الكردية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. لمنع قيام دولة كردية مستقلة في شماله، وقد مثل هذا التعاون الذي كان يحظى بدعم المؤسسة العسكرية التركية والأحزاب السياسية التركية "العلمانية والمحافظة"، من أهم الدوافع وراء التقارب بين تركيا و سوريا. وبناءاً على ذلك ، قامت سوريا بعمليات عسكرية في يوليو 2003م ، ضد قواعد حزب العمال الكردستاني المتمركزة  في المناطق الكردية على الحدود التركية السورية، كما أيدت الحكومة السورية العمليات العسكرية التركية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق منذ أوائل عام 2008م، الأمر الذي أثار غضب "جلال الطالبانى" رئيس العراق في تلك الفترة "[12]".

   خلاصة ذلك لقد قام الطرفين للمحافظة على الأمن الإقليمي بالتعاون من خلال المحادثات وتسوية العديد من الأمور العالقة بينهما من أجل تحقيق الأمن والاستقرار والعمل على مكافحة التحدي الكردي المحتمل في تلك الفترة ،حيث شمل التعاون تبادل المعلومات الاستخبارية حول نشاطات حزب العمال الكردستاني؛ كما حوت الاتفاقيات المبرمة استمرار العمليات العسكرية ضد حزب العال الكردستاني وفروعه في سوريا، وكافة الأحداث و التطورات الخاصة بحركة الجماعات الكردية، التي يمكن أن تؤثر على الأمن الإقليمي بينهما.



[1] ـ حامد محمود عيسي ،المشكلة الكردية "في الشرق الأوسط ،مرجع سبق ذكره ، ص361.

[2]ـ  المرجع السابق ، ص348.

[3] ـ عبد الله محمد مسعود ، على عباس مراد ،الأمن والأمن القومي ،(طرابلس ، المركز العالمي،2006م)،    ص235.

[4] ـ  أركان إبراهيم عدوان ، مرجع سبق ذكره ، ص 131.

   [5] ـ صامويل برانن ، الرابطة التركية الروسية الإيرانية "تطور القوي السياسية في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى ،مختارات إيرانية ،العدد162، (القاهرة مركز الأهرام ،فبراير 2014م)، ص ص 15ـ23.

[6] ـ  حامد محمود عيسي ، القضية الكردية في العراق  من الاحتلال البريطاني إلي الغزو الأمريكي 1914م ـ 2004م، مرجع سبق ذكره ، ص590.

[7] ـ أيمن إبراهيم  الدسوقي ، هل القومية الكردية انفصالية ؟"دراسة حالة كردستان العراق "، مجلة شؤون عربية ،عدد138،صيف 2009م،ص ص 226ـ227.

[8]ـ  أركان إبراهيم عدوان ، مرجع سبق ذكره، ص135.

 

[9] ـ المرجع السابق، ص 135.

   [10]ـ  المرجع السابق، ص 136.

[11] ـ  للمزيد : أنظر:شريف نسيم فلته بخيت، أثر الاحتلال الأمريكي للعراق على السياسة التركية تجاه أكراد العراق الفترة(من 2003م حتى 2009م)،  ،(رسالة ماجستير غير منشوره )مقدمة إلي قسم العلوم السياسية (القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة، 2011م) ، ص 63.

 [12]ـ أحمد يوسف أحمد ، نيفين مسعد ،" محرران" ، في ،حالة الأمة العربية 2007م ـ2008م ،ثنائية التفتيت والاختراق ،(بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية،2008م)، ص68.