(تركيا وسوريا ما بعد2011م)                             

 لقد قلبت الثورة السورية الموازين رأس على عقب بعد قيامها في مارس 2011م،وعادت القضية الكردية  للتأثير بقوة على العلاقات بين كلاً من تركيا وسوريا، بسبب الموقف التركي تجاه أحداث العنف ضد المدنيين في سوريا، فندرج الموقف التركي من الأحداث بدءًا بتوصية النظام السوري بعدم استخدام العنف في التعامل مع المدنيين، ومن ثم تطور الموقف التركي أضحت من الأطراف الرئيسية الداعمة للمعارضة السورية ،والداعية إلي إسقاط النظام السياسي السوري ،بدعوى أنه فقد الشرعية ،عقب تطورات الأحداث في سوريا وما تلاها من تطورات متسارعة ، بدأت بتوفير الالتجاء لأعضاء "المجلس الوطني السوري" الذي يمثل مجموعة من أحزاب المعارضة السورية"[1]". و لقد أتضح موقف تركيا الرسمي حيال ما حدث الثورات في الوطن العربي بشكل عام وفي سوريا بشكل خاص ، المعلن على موقع وزارة الخارجية التركية ،بأن"تركيا رأت في التحركات الشعبية التي حدثت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، مؤشراً على عدم إمكانية إرجاء تلبية المطالب المشروعة لشعوب المنطقة وتطلعاتها لفترة أطول ، وأن عملية التغيير المتأخرة هذه تمثل نقطة انعطاف ستعيد التاريخ إلي مجرة الطبيعي"كما أكد على ذلك "داوود أغلو"بأنها"تدفق طبيعي للتاريخ " وحدث عفوي "و" ضروري"جاء متأخراً"..،وبأن التحولات التي تشهدها دول المنطقة ناتجة عن ضرورات اجتماعية ،مشدداً على وجوب ابتعاد القادة العرب بعدم مواجهة رياح التغيير، كما رفض الادعاء بأن هذه الثورات من ضمن المؤامرات الأجنبية"[2]".        

   واتسقاً مع ذلك ظهرت بعض التقارير التركية، بناءاً على توجه القيادة الرسمية التركية بأن النظام السوري كان يسمح لحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي"الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني" الذي تم  تأسيسه في سوريا في العام 2003م، سمحت له بالعمل داخل البلاد في أواخر عام 2011م ، وليس ذلك فقط بل سمحت دمشق لحزب العمال الكردستاني بفتح ستة مدارس لتعليم اللغة الكردية، ليتم استخدامها من قبل الأقلية الكردية لأغراض سياسية"[3]".

   كما عمد النظام السوري في محاولة للضغط على تركيا نتيجة موقفها من الأوضاع في سوريا والمعارض للنظام، إلى تكثيف الدعم لحزب العمال الكردستاني، إلى درجة أن الكثير من مقاتليه في جبال قنديل شمال العراق، يقدر عددهم بحوالي 1000 إلى 1500مقاتل عبروا إلى سوريا لمساعدة مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني على إحكام سيطرتهم داخل المناطق السورية، فقاموا بتشكيل نقاط تفتيش ومجالس دفاع  لتأمين مناطقهم، وقد أثارت هذه الإجراءات غضب الحكومة التركي، فاتهم مسئولون أتراك النظام السوري بتسليم المناطق الحدودية للأحزاب الكردية، واتضح ذلك من خلال قيام مقاتلي الحزب برفع علم حزب العمال الكردستاني على الحدود بين سوريا و تركيا"[4]".

     وهنا تعطي النظام في سوريا  بشكل واضح مع القضية الكردية،وذلك من خلال نجاح حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في ترسيخ نفوذه في المنطقة الشمالية الشرقية لسوريا، و من أهمها:

1- استيلاءه على مناطق القامشلي وعفرين والمالكية، بعد خروج القوات العسكري للنظام، وقيام حزب الاتحاد بإدارتها من خلال مجلس شعبي.

2- سيطرته وبمساعدة أحزاب أخرى، على المعابر الرئيسية بين سوريا والعراق.

3- تفاوض الأكراد مع قوات النظام السوري المتمركزة في مطار القامشلي والقرى والبلدان في تلك المناطق  وخروج منها دون قتال، وقد وافقت بعضها بتأمين وصولها لدمشق.

4- لم يتحالف حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي مع الجيش السوري الحر لصلته الوثيقة بتركيا.

5- أصبح من الواضح بأن قوات النظام السوري أخلت المناطق الخاضعة للأحزاب الكردية لتتفرغ للعمليات العسكرية داخل البلاد "[5]".

  وبالتالي أثارت سيطرة الأكراد السلمية على مدن عدة في شمال وشمال شرق سورية، غداة الانسحاب الجزئي للجيش النظامي والإدارة السورية من تلك المناطق في يوليو 2012م، أحلام كردية وهواجس تركية في ذات الوقت. فقد رحب الكثير من الأكراد السوريين بتمسك مجتمعهم بالحصول على الحكم الذاتي بحكم الأمر الواقع، في المقابل شعرت تركيا بالقلق بسبب ما ترى أنه ظهور كيان كردي مستقل يسيطر عليه مقتلي  حزب العمال الكردستاني"[6]".

   ولمواجهة ذلك ، قامت الحكومة التركية بانتهاج سياسات مختلفة وذلك للتقليل من مخاطر المسألة الكردية، كمحاولة لإبطال أداة الضغط السورية تجاهها، فوقفت مع المعارضة السورية لاستقطاب الأحزاب الكردية، ففي يونيو 2012م، حيث تم اختيار رئيسًا المجلس الوطني السوري "عبد الباسط سيدا" سورياً من أصول كردية  خلال اجتماعه في اسطنبول، وعلى أثر ذلك قام الجيش السوري الحر بدعوة الأكراد للانضمام إلى صفوفه، والعمل ضد النظام كسوريين غضين الطرف عن خلفياتهم العرقية أو الدينية"[7]".

 

  ولكن على الرغم من محاولات تركيا لمنع إقامة حكم ذاتي للأكراد في سوريا، يهيمن الآن حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه المسلح وحدة الحماية الشعبية على ثلاثة مناطق واسعة ذات الأغلبية الكردية على طول الحدود التركية، حيث أعلنت إدارة كردستان سوريا الحكم الذاتي في نوفمبر العام 2013م. يبدو أن  تراكم السلطة بيد حزب الاتحاد الديمقراطي، قد نشأ بحكم الأمر الواقع من خلال التحالف مع النظام السوري ، وبدعم من حزب العمال الكردستاني، ولموجهة تلك السياسة وتخطي تلك العقبات والسيطرة على الموقف سرعة الحكومة التركية وأجرت مفاوضات مباشرة مع "عبد الله أوجلان" زعيم حزب العمال الكردستاني"[8]".

وبالتالي عادت المسألة الكردية بعد قيام الثورة في سوريا عام 2011م، للبروز من جديد كإحدى المحددات السلبية المؤثرة في العلاقة بين تركيا و سوريا، نتيجة للاختلافات التي حدثت بين النظامين التركي والسوري بعد اندلاع الثورة السورية في مارس من ذات العام،  خلاصة القول تعد العلاقة التركية السورية راسخة ومتجددة ،وتتطلب الاهتمام الدائم والبحث المتواصل ، نظراً لكون البلدين من الدول المؤثرة إقليمياَ في المنطقة ، كذلك فالعلاقة ببينهما تحتاج إلي تحليل مستمر حسب تطورات الأحداث والأوضاع الإقليمية والدولية ، تحسب لما ستؤول إليه الأوضاع في سوريا مستقبلاُ ، كذلك في حالة تولي حزب سياسي ذي توجهات سياسية مختلفة عن الحزب الحاكم في تركيا ألآن"[9]". وبالتالي يجب التدقيق في تطور الأحداث المتسارعه بسبب التدخل الخارجي والمشحون بالتوتر التي قد يطرأ مستقبلا ويوثر في طبيعة العلاقة بينهما ، والتي أثرت لنا بعض المسلمات المهمة ،التي تتطلب الإجابة عليها بصورة علمية موضوعية وعلى سبيل المثال :

1ـ ما هو الشكل الذي يمكن تكون علية العلاقة بين البلدين في حال بقاء نظام الأسد في السلطة ، وتمكنه من حسم الأمور لصالحة؟

2ـ ما هو تأثير نجاح حزب ذي توجهات علمانية وتولي السلطة في تركيا ،على طبيعة العلاقة بين البلدين ؟

3ـ ما هو تأثير ظهور دور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا ، وعملية صنع القرار الخارجي على طبيعة العلاقات بين البلدين ؟ وخاصة وإن المؤسسة لها من يدعمها وبقوة سواء كان ذلك في الداخل ، أو الخارج ؟

4ـ ما هو تأثير قبول تركيا رسميا في الاتحاد الأوروبي على العلاقات التركية ـ السورية .         



[1] ـ أركان  إبراهيم عدوان ،مرجع سبق ذكره ، ص 197.

[2]  ـ بسمة محمد عبد اللطيف ، مرجع سبق ذكره ،ص 156.

[3] ـ  أركان إبراهيم عدوان ، مرجع  سبق ذكره ، ص 140.

[4]ـ المرجع  السابق ، ص140.

[5] ـ   محمد مجاهد الزيات ، الأزمة السورية ومواقف الأطراف المعنية ،أوراق الشرق الأوسط، ،العدد58، يناير 2013م، ص23.

[6] ـ  أركان إبراهيم عدوان ، مرجع  سبق ذكره ، ص 183.

[7] ـ المرجع السابق، ص142.

[8]-See. Sonia Roy, "the Kurdish issue", Foreign policy journal, April, 2011.

[9] ـ أركان  إبراهيم عدوان ،مرجع سبق ذكره ، ص198.