"حالة :تركيا- العراق"

 تكاد تكون كل الآراء التي كتبة عن نشأت تنظيم الدولة الإسلامية متفقة على أن مؤسسة هو أبو مصعب الزرقاوي الأردني عام 2004م ،"تحت مسمي""جماعة التوحيد والجهاد"، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م،وتولي أبو حمزة المهاجر التنظيم في العراق ، في أواخر 2006م ،ثم توسع عسكرياً موحد يضم كل التنظيمات الجهادية التكفيرية في العراق؛ تحت مسمي الدولة بزعامة أبي عمر البغدادي ، وبعد مقتلة في عام 2010م ،قتل أبو حمزة ومن ثم أصبح أبو بكر البغدادي هو أمير "داعش" "الدولة في "العراق والشام"، الذي بدورة أنفصل عن تنظيم القاعدة وبايعه أتباعه كخليفة لهم ناقضين بيعة الظواهري ،والجدير بالذكر أن الزرقاوي كن حليف "لأسامة بن لادن" الذي خلفه الظواهري. لكن التنظيم الجديد ضعف بفعل استهداف القوات الأمريكية له وتأسيس مجالس الصحوة، التي وضعها رجال العشائر السنة الرافضين لعنف التنظيم ، وسقت داعش عام 2007م على يد الصحوات،وبعد تولي البغدادي قيادة التنظيم عام 2010م ـ كما أسلفنا ـ عمل على استعادة التنظيم لقدراته القتالية"[1]". ثم عاد التنظيم في العام 2013م ،  فجأة محمل بأحدث الأسلحة الأوروبية !!، والجدير بالذكر أن داعش لم هاجم دولة أجنبية ولا قاعدة من القواعد الأجنبية الموجودة والقريبة منها، كما أنها لا تقتل إلا الجنود العراقيين وبالمقابل تعفوا عن الجنود الأتراك دائماً حتى ألآن و إلى تنفيذ العشرات من الهجمات في العراق باستمرار وفي أوقت متفرقة"[2]". كما انضم عدد منهم  إلى جماعات المعارضة السورية أقام ما يعرف"جبهة النصرة"التي تقاتل ضد النظام السوري .وفي أبريل من العام 2013م أعلن البغدادي دمج قوته في العراق وسوريا في تنظيم واحد هو دولة الإسلام في العراق والشام "داعش".حيث  رفض قادة جبهة النصرة والقاعدة هذا الدمج، أدي ذلك إلي انشقاق المقاتلون الموالون للبغدادي عن جبهة النصرة، مما ساعد على بقاء داعش في سوريا، وفي ديسمبر 2013م، نقل التنظيم تركيزه إلى العراق مستغلًا الصراع السياسي بين الحكومة، التي يقودها الشيعة، والطائفة السنية، واستطاع التنظيم السيطرة على مدينة الفلوجة بمساعدة رجال القبائل، وفي يونيو 2014م، استولت "داعش" على مدينة الموصل شمال العراق، وتقدمت جنوبًا باتجاه بغداد. وبنهاية الشهر، وبعد تأكيد سيطرة داعش على العشرات من المدن والبلدان، أعلن التنظيم تأسيس الخلافة، وغير اسمه إلى "الدولة الإسلامية" وتضم المساحة التي يسيطر عليها مدينة الموصل، وتكريت، والفلوجة، وتلعذر في العراق، واذرقة في سوريا. كما يسيطر التنظيم على آبار بترول، وسدود، وطرق رئيسية، ومعابر حدودية. دخل ما يسيطر عليه التنظيم ، كما أشير إلي أنه دخل  في شراكة مع أعضاء حزب البعث السابقين،بعد   قدوم الزرقاوي  للعراق"[3]". وفي بداية شهر يونيه عام 2014م تفجرت الأزمة، عند قام التنظيم بمهاجمة قوات الأمن العراقية في مدينة نينوى، وصلاح الدين وديالي وتكريت مسقط رأس الزعيم الراحل صدام حسين ، وببجي والموصل،وتم إجبار المسيحيين على دفع ضريبة خاصة "الجزية" أو الدخول في الإسلام ،حيث تمت ممارسة هذا العمل البربري في مطلع أغسطس عام 2014م، بمدينة قراقوش أكبر مدن مسيحية عراقية وكذلك الحال المناطق القريبة التي تم إفراغها من سكانها سواء كانوا مسيحيين أو يزيديين، حتى أصبح على مسافة قريبة من أربيل، وأمام ضغط التنظيم وشدت النيران وعنف المواجهة المسلحة انسحبت القوات العراقية أمام هجمات "داعش"، الأمر الذي شكل فشلًا ذريعًا للحكومة العراقية في الصدى ومواجهة الأزمة"[4]".

وبالتالي أصبحت كل منطقة العرب السنة تقريبًا في العراق خارج سيطرة الحكومة العراقية في بغداد، والتي تضم كلاً من  الموصل ومحافظة كركوك، ومدينة بيجي، إلي جاني ذلك وصل التنظيم إلي مناطق سوريا بين حلب والرقة دير الزور، ويرجع هذا بسبب تناقص القوى الداعمة لرئس الوزراء السابق تنوري المالكي وتنامي القوى الرافضة له حيث تعد سياسات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الإقصائية للسنة سببًا لصعود داعش، حيث اضطرت قبائل وعشائر المدن السنية التي تشعر بالإقصاء والاضطهاد إلى احتضان التنظيمات السنية المسلحة، كالقاعدة ثم داعش، اعتقادًا منها بأن هذه التنظيمات قادرة على مواجهة حكم نوري المالكي الطائفي. ولكن في الوقت نفسه خرجت العديد من القيادات السنية لتعلن وقوفها ذد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ومنهجه التكفيري، والدعوة إلى الفصل بين الحراك الشعبي الذي ظهرا في  المحافظات السنية وبين تنظيم الدولة"داعش"[5]".

   يعتبر الأكراد صعود تنظيم الدولة الإسلامية يمثل تهديد لهم، الأمر الذي جعلهم يتحدون لمواجهته، وخاصة أن الأكراد يتبنون الفكر القومي العلماني ويرفضون الإسلام السياسي. بحلول يوليو 2014م، حاولت قوات البشمركة استغلال تداعيات تقدم داعش وهزيمة الجيش العراقي للاستيلاء على بعض المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك مدينة كركوك، حيث سيطروا على معسكرات الجيش في خانقين وقره تبه في محافظة ديالي وطوزخورماتو وكفري في صلاح الدين وفي سهل نينوي وستجار ورمار وعين زالة النفطية ومدينة كركوك، ومطارها العسكري وحقول نفط قبة نابا وقبة أفاما وباي حسن في كركوم وبدأت بتصدير النفط شمالًا عبر ميناء جيهان التركي عبر أنابيب الإقليم بعد أن استولى تنظيم داعش على بيجي الذي يمر منه أنبوب النفط إلى جبيان. وفي ذات الوقت أعلن مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان،بأنه قائدًا عامًا للقوات المسلحة الكردية كما وضح بأن الاستقلال  حلم الأمة الكردية بات قريب"[6]".

 وبالمقابل اندفع مسلحو داعش اتجاه الأراضي القريبة من إقليم كردستان العراق في سنجار التي تقطنها الأغلبية الأيزيدية في سنجار والمناطق العربية الكردية المختلطة المحيطة ببلدة مخمور في أغسطس 2014 م، مخترقين دفاعات الأكراد وكان لتقدم داعش وقع الصدمة على الأهلي في أربيل بشكل خاص والعالم بشكل عام وان هذا التقدم اقترن بارتكاب مجازر ضد الإيذيديين والأقليات التاريخية كالآشوريين والصابئة المندانيين والشبك. وقد نجحت أربيل في حشد قوى دولية، من بينها إيران والولايات المتحدة، لمساعدتها في قتال داعش التي أعلنت في وقت سابق إنها لن تعود إلى العراق بعد الانسحاب منه. ففي الثامن من أغسطس 2014م، شنت المقاتلات الأمريكية ضربتها الأولى مستهدفة مواقع تنظيم الدولة قرب مخمور والمساعدة في وقف الإبادة الجماعية للإيزيديين،و أرسلت تعزيزات عسكرية لقوات البشمركة بالإضافة إلي تقديم الحماية الجوية والمساعدات العسكرية والتدريب للبشمركة"[7]".

   حيث صارت المعركة كأنها حرب للسيطرة على المناطق والهوية، وقد وصلت قوات وحدات حماية الشعب الكردي من سوريا إلى سنجار حيث الموطن التاريخي للإيزيديين قبل وصول البشمركة "قوات الحماية الكردية في إقليم كردستان العراق" إليها، بالإضافة إلى ذلك، أنها المرة الأولى في التاريخ التي يلتقي فيها مقاتلون أكراد من المناطق الكردية في العراق وسوريا وإيران وتركيا على أرض سنجار للقتال معًا في خندق واحد، في معركة أطلق بعض الكرد عليه معركة الشرف والكرامة. وهكذا عززت الحرب من تدفق الهوية القومية الكردية على جغرافية حبستها سايكس بيكو في حدود جغرافية سارع داعش والأكراد إلى إزالتها"[8]".

   ويبدو إن سر الاندفاع الأوروبي والأمريكي إلى الإسراع في نجدة أربيل وشن  غارات جوية وتسليح البشمركة لمواجهة داعش مقابل تأخرها في استجابة لطلبات بغداد المماثلة عندما سيطر التنظيم على الموصل وهدد بالزحف نحو بغداد، أن قرار التدخل الغربي حمل شعارات أخلاقية تراوحت بين حماية الأقليات الدينية والعرقية ومحاربة الإرهاب وخطر التنظيمات التكفيرية"[9]" ؛ بالتالي الرئيس الأمريكي "أوباما" كان واضحًا أيضًا عندما برر شن الغارات الجوية لحماية مصالح الأمريكية في المنطقة ، التي تتعلق أولًا بحماية المصالح النفطية وامتيازات شركات النفط الأمريكية الكبرى "أكسون، موبيل ،وشيفرون" واستثماراتها الضخمة في الإقليم الذي بدأ يصدر النفط للخارج ويخطط لارتفاع إنتاجه بشكل قياسي خلال السنوات القليلة المقبلة. كما أنها تتعلق بحماية الوجود العسكري الأمريكي حيث تتحدث تقارير أمريكية عن وجود عدة آلاف من الأمريكيين في أربيل من المدن الأخرى"[10]".

   علية يمكن القول بأن التدخل الدولي العسكري بقيادة أمريكيا أدى إلى نتائج إيجابية على جبهة الكردية "البشمركة: يتضح كالتالي:

1- تأمين الغطاء الجوي لقوات البشمركة للقيام بهجمات ضد داعش.

2- رفع معنويات القوات الكردية خاصة وأنها تعرضت في البداية إلى ما يشبه انتكاسه عندما سيطرت داعش خلال يومين على مناطق شاسعة من قضاء سنجار.

3- تسليح البشمركة بأسلحة متطورة وبكميات جيدة بعد أن منعت بغداد ذلك خلال السنوات الماضية.

4- جلب حالة من التعاطف الدولي مع إقليم كردستان وتأييده في الحرب ضد داعش خاصة في ظل ارتكاب الأخير جرائم وأعمال قتل خاصة ضد الطائفة الإيزيدية.

5- لقد كشف هذا عن وجود لوبي قوي في الغرب دعم للأكراد، خلافًا لما كانت عليه العلاقة التقليدية بين الكرد والغرب، عندما كان الغرب يتعامل مع الأكراد من زاوية أمنية وقتية فقط، بعيدًا عن كونهم شعبًا وقومية وأمة، لهم حقوق ويمكن بناء مصالح مشتركة معهم"[11]".

علاوة على ذلك، أن المساعدات الغربية العسكرية للأكراد رجحت كفة التوازن بين العربي والأكراد في المناطق المتنازع عليها لصالح الأكراد. فمنذ وصول تنظيم "داعش"، حقق الأكراد نجاحات غير مسبوقة في الاستيلاء على الأراضي خارج حدود إقليمهم الرسمية. لقد استمر النزاع بين حكومة إقليم كردستان والعاصمة على هذه المناطق لفترة من الزمان"[12]". وانتشر بين قواتهم على "خط التماس" افتراضي يقسم هذه المناطق. خلال عام 2013م، سمح الصراع بين العربي السنة والحكومة المركزية التي يقودها الشيعة للأكراد بدفع الجيش إلى الوراء، الذي انهار في يونيو 2014م، في الشمال تاركًا القوات الكردية تحظى بسيطرة فعليه على معظم المناطق التي يقطنها خليط من السكان خارج محيط الإقليم ، حيث كانت مدينة كركوك والمنطقة المحيطة بها أهم تلك المناطق استراتيجيًا بسبب وجود حقل نفط "كركوك" وعدة حقول أخرى، التي استولت عليه القوات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني في وقت غير مسبوق ،حيث أدى ذلك لتوتر العلاقة  بين أربيل وبغداد بلغت ذروتها في عام 2014م، على تقاسم عائدات النفط بين الحكومتين الإقليمية والاتحادية. على الرغم من حلها في وقت لاحق من ذات العام، إلا أن النزاع مع بغداد وأفاق زيادة ثروة النفط في كركوك غذت التكهنات بان الأكراد قد ينفصلون عن العراق. وتعد كركوك للأكراد ذات أهمية كبيرة، فبالإضافة إلى الأهمية النفطية، فإنهم يشيروا لها باعتبارها رمز هويتهم وحقوقهم عندما قام صدام حسين بتهجيرهم منها وتوطين العرب مكانهم عندما تمردوا ضد نظام  صدم حسين، وبعد هجوم تنظيم الدولة الإسلامية في يونيو، أرسلت الحكومة الكردية قوات البشمركة إلى مناطق الصراع التي كان يسيطر عليها الأكراد والحكومة العراقية، ثم طلبت من البرلمان الكردي الإعداد لاستفتاء على الاستقلال"[13]".

ما زالت العلاقات بين أربيل وأنقرة حساسة، على الرغم من التعاون الاقتصادي وفي مجال الطاقة مؤخرًا مكثف لخدمة المصالح المتبادلة. ورغم أن تركيا لا تزال تقدم نفسها كضامن كردستان العراق ففي يونيو عام 2014م، فشلت في التدخل عندما تعرضت لهجوم. فتردد أنقرة في السنوات الأخيرة، في موقفها تجاه استقلال إقليم كردستان العراق، فهي تختلف من الرفض الصارم إلى الاعتراف وأخيرًا إعلان حق أكراد العراق إلى الاستقلال. فتتأثر سياسة تركيا تجاه إقليم كردستان بأي إستراتيجية تعامل بها حزب العمال الكردستاني في لحظة معينة، وبالتالي تميل إلى أن تكون غير موثوق بها. فكانت تركيا تخشى أن منح حكم ذاتي واسع لكردستان العراق سيعزز مباشرة مع مطالب الحكم الذاتي للأكراد الأتراك، ولكنها اليوم تأمل أن يحتوي" مسعود برزاني" تأثير زعيم حزب العمال الكردستاني "عبد الله أوجلان".

بالإضافة إلى ذلك، تنظر تركيا دومًا إلى الموصل وكركوك بأنهم جزاء لا يمكن التنازل عنه لأسباب ترجعها لفترة الدولة العثمانية،حيث ترفض تركيا رفض تامًا انضمام كركوك إلى إقليم كردستان العراق"[14]".

لقد أحرز الأكراد في شمال العراق وسوريا تقدمًا كبيرًا في دحر تنظيم الدولة الإسلامية من المناطق التي يعتبرونها خاضعة لهم وذلك بمساعدة الغارات الجوية، ولكنهم لا يستطيعون طرد تنظيم الدولة الإسلامية من كل الأراضي التي يسيطرون عليها في البلدين، ولا ينتظر منهم أن يقوموا بذلك، لأنهم سيثيرون حينئذ حساسيات شديدة لدى السكان العرب السنة الذين يعيشون في مناطق بسط التنظيم فيها نفوذه عليها .



[1] ـ وائل محمد رمضان أبو عبيه الحسني ،داعش "خروج على نهج التتار وسنة العجم ،( القاهرة،دار الحكمة للطباعة ،2014م)، ص156. 

[2] ـ  المرجع  السابق ،ص 156.

[3]ـ القناة الفضائية البريطانية القسم العربي ، بي ، بي ،سي،  ما المقصود  بتنظيم الدولة الإسلامية،    2014 م.

[4] ـ بيير بلان ،جان بول شانيولو ، ترجمة :محمد عبد الفتاح السباعي ،مرجع سبق ذكره ،ص ص 178ـ 179.

[5] ـ ناجح إبراهيم ، هشام النجار ، مرجع سبق ذكره ، ص ص  21، 22 .

[6] ـ الشيخ نبيل نعيم ،معركة داعش الإرهاب المقدس ،(القاهرة ،المحروسة للنشر والتوزيع ،2015م)،ص ص14ـ15.

[7] ـ إيمان رجب ،،مستقبل العراق المذهبي وتهديد "داعش"،مجلة السياسة الدولية ،العدد205 ،مرجع سبق ذكره،ص ص 110ـ 111.

[8] ـ صلاح عبد الحميد، مرجع سبق ذكره ،ص164

[9] ـ إيمان رجب ،مستقبل العراق المذهبي وتهديد "داعشمجلة السياسة الدولية ، العدد 205 ،مرجع سبق ذكره،ص ص 110ـ111.

[10] ـ  بيستون عمر نوري ، مرجع سبق ذكره ،ص233.

[11] ـ أحمد عبد الحافظ ، التهديدات الإقليمية ، بعد الربيع العربي، مجلة السياسة الدولية ،مرجع سبق ذكره.، ص 165. 

[12] ـ بيستون عمر نوري ، مرجع سبق ذكره ،  ص ص 164ـ165.

[13]  ـ إيمان رجب ،مستقبل العراق المذهبي وتهديد "داعش"،مجلة السياسة الدولية ،مرجع سبق ذكره،ص ص 110ـ111.

[14] ـ  أحمد طاهر، كردستان العراق وتجديد المطالبة بتقرير المصير ، مجلة السياسة الدولية ،العدد 183 ،مرجع سبق ذكره ،ص 130.