"حالة: تركيا- سوريا"

   على المستوي الإقليمي توجد دول إقليمية ترى بأن صعود خطر تنظيم الدولة الإسلامية في الشرق الأوسط واحتمالات انعكاسه على المنطقة فرصة لتعزيز علاقاتها الأمنية والسياسية في إطار مشروعاتها  الإستراتيجية،وفي خطوة غير مسبوقة انتهز البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق فرصة الأزمة التي اندلعت في سوريا والفوضى التي سادة هناك ليعلن دخوله على خط المواجهات في سوريا، حيث واجه البغدادي وتنظيمه مساحة على الأراضي السورية لممارسة نشاطهم بالإضافة إلى استغلال الفوضى لتحقيق المكاسب وتوزيع النفوذ، ومن خلال الحدود السورية مع العراق دخل تنظيم الدولة إلى الأراضي السورية،في شرق سوريا بالتحديد تحت شعار "نصرة أهل السنة في سوريا" معلنًا الحرب على النظام السوري ومواجهة أطماع إيران الإقليمية التوسعية في سوريا "[1]".

  وبعد ظهور تنظيم  القاعدة على الساحة السوري للمشاركة لمحاربة النظام في سوريا، كذلك بروز دور تنظيم "جبهة النصرة" بقيادة أبو محمد الجولاني أواخر سنة 2011م، و تنامي قدراته بشكل سريع لتصبح في غضون أشهر من أبرز الجماعات المسلحة في سوريا ومع إعلان النصرة مبايعتها لتنظيم القاعدة في أفغانستان بقيادة الظواهري، ظهرت تقارير عن علاقة جبهة النصرة بالدولة الإسلامية"داعش" في العرق، وبدأ اعتبارها امتدادًا سوريًا لذاك التنظيم المنتشر في العراق، وفي التاسع من أبريل عام 2013 م وبرسالة صوتية بثت، أعلن أبو بكر البغدادي دمج فرع تنظيم جبهة النصرة مع دولة العراق الإسلامية تحت مسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهنا بدأت قصة "داعش". بعد ذلك بقترة قصيرة خرج أبو محمد الجولاني "زعيم جبهة النصرة" بتسجيل صوتي يعلن فيه عن علاقته مع دولة العراق الإسلامية لكنه نفى شخصيًا أو مجلس شورى الجبهة أن يكونوا على علم بإعلان البغدادي عن اندماج التنظيمي، فرفض فكرة الاندماج وأعلن مبايعة تنظيم القاعدة في أفغانستان بقيادة الظواهري، وعلى الرغم من العمليات المشتركة التي خاضتها" النصرة وداعش" إلا أن حربًا باردة تدور بين التنظيمين على الأراضي السورية منذ ذلك الإعلان للبغدادي"[2]".

   حيث لم تتأثر المناطق الكردية كثيرًا بالصراع السوري في السنتين الأوليين وتجنبت الأحزاب الكردية الكبرى اتخاذ أي موقف من أي من طرفي الصراع، وفي منتصف عام 2012م، انسحبت القوات السورية من المناطق الكردية التركيز على قتال المتمردين في مناطق أخرى محورية بالنسبة لها ، ففرضت القوات الكردية سيطرتها على المنطقة وأعلن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بسرعة إرسال مجموعة من قواته الاحتياطية الذين يتمتعون بخبرة كبيرة وتقنية وموارد مالية لإنشاء وإدارة المناطق التي يقطنها الأكراد في سوريا ،وسماح النظام السوري بذلك يعتبره تحرك تكتيكي كورقة ضد تركيا ،وفصائل المعارضة السورية ، لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الرد على سيطرتها ،كما اتصال الحزب الديمقراطي الكردي وقوى صلته بأحزاب كردية صغيرة ليكون المجلس الوطني الكردستاني. واتحدت الأحزاب لتعلن إقامة حكومة محلية ديمقراطية كردية إقليمية عام 2014م، وأكدوا على أنهم لا يسعون إلى الاستقلال بل إلى "إدارة محلية فقط"[3]".

      كما سيطر داعش على المنطقة الحدودية شمالًا وشرقًا واصطدمت بالمناطق التابعة للتنظيمات الكردية في شمال شرق سوريا وتحديدًا في مناطق الحسكة والقامشلي و عنتاب، حيث اندلعت الاشتباكات بين داعش وقوات حماية الشعب الكردي بعد أن قامت داعش بالسيطرة على تلك المناطق، محاولة فرض سلطتها فيها وتطبيق الشريعة الإسلامية فيها "حسب وصفها"، حيث ارتكبت الكثير من المجازر بحق الأكراد بعد أن تم تكفيرهم واتهامهم بالتعاون من الخارج والعمل لصالح النظام السوري . ودارت اشتباكات عنيفة بين الطرفين تمكن خلالها الأكراد من استعادة مناطقهم في شمال وشمال شرق سوريا، طاردين داعش ومقاتليها من تلك المناطق، فيما فرضت الأخيرة حصارًا على تلك المناطق، وقامت داعش بممارسات انتهاكات بحق الأكراد، واستولت على 360 قرية كردية ونهبت منها الثروات وقطعان الماشية وكل ما وقع في أيدي داعش من محيط مدينة أعزاز بريف حلب، إضافة إلى محاصرتها المدن الكردية وارتكاب أعمال العنف والقتل بحق الأكراد"[4]".

إن مقاتلي التنظيم استمروا في محاولة الاستيلاء على المناطق الكردية في سورية، وفي منتصف سبتمبر 2014م، شن تنظيم الدولة الإسلامية حملة على المنطقة المحيطة بمدينة عين العرب "كرباني" شمالي سوريا. وأجبر أكثر من 160 ألف شخصًا على النزوح إلى تركيا.

بالإضافة إلى ذلك، قامة جبهة النصرة المقرب من تركيا بقتل الأكراد في شمال شرق سوريا قرب الحدود مع تركيا، أثارت هذه المعركة تركيا ودمرت حزب اتحاد الديمقراطي الكردي وقواته الذين يرفعون العلم الكردي قرب الحدود التركية وأعلن رئيس الوزراء "أحمد داود أوغلو" أنهم يتوقعوا ثلاثة أمور أساسية من الأكراد في سوريا، أولًا بالنسبة لهم عدم التعاون مع النظام، والثاني لا لتشكيل دولة على أساس الأمر الواقع على أسس عرقية أو دينية، والثالث عدم الانخراط في الأنشطة التي يمكن أن تشكل خطرًا على أمن الحدود التركية"[5]".

  وبالمقابل رفضت الحكومة التركية الهجوم على مواقع الدول الإسلامية قرب حدودها، أو السماح لمواطنيها من الأكراد بالعبور إلى الأراضي السورية لمواجهة التنظيم، مما أثار الاحتجاجات الكردية، بالتالي هدد حزب العمال الكردستاني بالانسحاب من مباحثات السلام مع الحكومة في منتصف أكتوبر 2014م، سمحت أنقرة لقوات البشمركة بالمشاركة في القتال حول عين العرب "كوباني" ، ورغم اعتبار أنقرة أن الدولة الإسلامية تهديدًا لها، إلا أنها تخشى إن سمحت للأكراد بالعبور والقتال في سوريا أن يتخذوا منها قاعدة لإطلاق هجمات على تركيا فيما بعد، كما قالت الحكومة التركية إنها غير جاهزة للمشاركة في جهود المساعدة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية، إلا إذا كان لإسقاط  النظام  السوري من ضمن أهداف التحالف"[6]".

   عندما حصار تنظيم  الدولة الإسلامية" داعش" كوباني قرب الحدود التركية السورية، طلبت تركيا، كثمن لتدخلها ضد "داعش"، إقامة منطقة عازلة ومنطقة حظر الطيران لعزل نفسها عن "داعش" وحزب الاتحاد الديمقراطي، على حد سواء. وبالرغم من التفوق الكبير لمسلحي داعش، ومحاصرتهم مدينة كوباني من ثلاث جهات، وكذلك الدعم اللوجستي التركي للتنظيم، وفق لكثير من التقارير الأمنية وكذلك تصريحات المسئولين الغربيين، نجح المقاتلون والمقاتلات الكرد، في لفت أنظار العالم إلى مقاومتهم لأعلى تنظيم إرهابي، شكلت الإدارة الأمريكية تحالفًا دولية، يشارك فيه نحو 40 دولة لمكافحته! ولم يقتصر حجم الاهتمام الدولي بمقاومة كوباني على الصعيد الإعلامي وحسب، بل تعدى ذالك إلى الصعيد السياسي.

السبب الذي يجعل تنظيم "داعش" يركز على مدينة كوباني ل هذه الفترة، ويجلب تعزيزات هو في أصله، إصرار تركي. وعدم سماح أنقرة لقوات التحالف باستخدام قاعدة "إينجرليك" الأمريكية في محافظة أضنا التركية التي تبعد عن كوباني مسافة 280 كيلو متر تقريبًا، هو أحد المؤشرات على ذلك"[7]".

وان تركيا، عبر داعش، وجهت ضربة عسكرية مؤلمة للعمال الكردستاني بشكل خاص، والمقاتلين الكرد المتحصنين في كوياني، أفقدتهم ما يزيد عن 300 مقاتل دون إصابة الأكراد.

فأنقرة ترفض بشكل قاطع أن تبقى المدن الكردية خاضعة لنفوذ العمال الكردستاني، وان يستخدم الحزب هذه المناطق ورقة بضغط ضد تركيا، في المفاوضات الجارية بين الطرفين، كما أن الحكومة أما بخصوص تكثيف أمريكا قصفها لتنظيم داعش في كوباني يفهم منه أن تكثيف الغارات الجوية على كوباني وكدليل على أن واشنطن تعاقب أنقرة في سورية، وهو قصف طيران التحالف للحقول النفطية التي يسيطر عليها "داعش" في محافظة دير الزور السورية، لوقف الإمدادات النفطي لتنظيم" داعش" إلى تركيا، التي تشكل أبرز مصادر تمويل التنظيم، بعد أن فشلت الإدارة الأمريكية في إقناع الحكومة التركية بضرورة تنشيف وقطع كل مصادر تمويل تنظيم "داعش" في تركيا"[8]".

سمحت تركيا بعبور قوات البشمركة التابعة لإقليم كردستان للعبور للدفاع عن كوباني مع أكراد سوريا، بعد الضغوطات الدولية، وقد طالب الأكراد في الجنوب الشرقي من تركيا للسماح لهم للذهاب للقتال أيضًا، وقد قام تنظيم" داعش" بمهاجمة قرية"مروج" التركية الواقعة عند الحدود السورية، الأمر الذي أدى إلى مقتل 32 ناشطًا كرديًا يريدون الذهاب إلى" كوباني"، وقد اتهم الأكراد الحكومة التركية بمساعدة تنظيم داعش لمهاجماتهم والتنكيل بهم .

 لقد أتاح القتال ضد الدولة الإسلامية، سواء في" كوباني"،أو حول جبل سنجار، فرصة لحزب العمال الكردستاني كي يثبت أنه لم يعد تنظيمًا إرهابيًا، بل أصبح قوة إقليمية كبيرة تتشارك قيمًا كونية مع الغرب، تشكل كوباني، إلى جانب كانتوئين كرديين آخرين يتمتعان بحكم ذاتي في شمال سورية، حقل اختبار مهمًا للحركة القومية الكردية وحزب العمال الكردستاني كي يثبت قدرتهما على إدارة أراضيهما في سورية، كما تفعل حكومة إقليم كردستان في العراق. ويمنح ذلك أيضًا حزب العمال الكردستاني ثقة متجددة بالنفس وتحفيزًا لتخطيط إقامة منطقة مماثلة من الحكم الذاتي في جنوب شرق تركيا"[9]".

  كما أنه بعد أربعة أشهر من الغارات الجوية المتواصلة والقتال على الأرض، أعلن التحالف بأن البلدة الكردية "كوباني" حررت من تنظيم الدولة الإسلامية، بعد محاولة الأخير السيطرة على هذه البلدة الإستراتيجية الواقعة على الحدود السورية- التركية، وسرعان ما أعلن التحالف الدولي المناهض للدولة الإسلامية النصر في هذا السياق، مستخدمًا النجاح في كوباني للتأكيد على أن إستراتيجية العسكرية حققت نتائج حسب ما خطط لها "[10]".

  وفي ذات اليوم الذي أعلنت تركيا أنها تساعد على محاربة الدولة الإسلامية، بدأت القوات التركية حملة جوية ضد واحدة من المجموعات الكردية نفسها التي كانت تتصدي بقوة لوقف تقدم الدولة الإسلامية"داعش". فمنذ إعلانها الدخول في التحالف الدولي ضد "داعش"، وجهت في ذات الوقت عدة موجات من الضربات الجوية ضد العناصر الكردية، الذين كانوا يعملون بشكل وثيق مع القوات الأمريكية لوقف تقدم تنظيم"داعش". ففي حين كانت الولايات المتحدة تسعى منذ وقت طويل تساعد حكومة أنقرة في مكافحة داعش واستخدام القاعدة الأمريكية في تركيا، استغلت تركيا الفرصة لمحاربة الأكراد"[11]". ويبدو لنا بأن قرار تركيا للانضمام إلى التحالف ضد الدولة الإسلامية كجزء من التهديد الذي تشكله المكاسب الإقليمية السريعة لحماية الكردية داخل سوريا، وحاول الأكراد في الداخل والخارج  تاريخيًا لأقمه دولة مستقلة لهم ، وهذا ما تعارض الحكومة التركية و بقوة .حيث صرح الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أن تركيا لن تسمح أبدًا إنشاء دولة للأكراد على الحدود الجنوبية التركية في شمال سوريا" بأي شكل من الأشكال.



[1] ـ ناجح إبراهيم ، هشام النجار ،مرجع سبق ذكره ، ص ص 28،29.

[2] ـ رانيا مكرم ،الإستراتيجية الإيرانية بشأن محاربة "داعش"، أفاق سياسية ، كتاب غير دوري ،العدد15أبريل 2015م،( القاهرة، المركز العربي للبحوث والدراسات ،2015م)،ص60.

[3] ـ رضا محمد هلال ،الأكراد بين الفدرالية والانفصال ، مجلة السياسية الدولية ،العدد205 يوليو 2016م،مرجع سبق ذكره ،ص128.

[4] ـ الشيخ نبيل نعيم ،مرجع سبق ذكره ، ص ص 19،22.

[5]_See: Thomas gibbsons, Inside the Kurdish fighting force: the US proxy war against  ISIS. The Washington post. 2015.

[6]  ـ  صلاح عبد الحميد ، مرجع سبق ذكره، ص ص119ـ124 .

[7] ـ محمد عبد العال عيسي ، الإستراتيجية الأمريكية في الحرب على داعش وحدود الفاعلية ، مجلة السياسة الدولية ، العدد 205،  ، يوليو 2016م ،مرجع سبق ذكره، ص ص 78ـ 80.

[8] ـ شادي عبد الوهاب ،العلاقة بين الحروب الأهلية والحروب بالوكالة ، مجلة السياسة الدولية، العدد205، المرجع السابق ، ص 105.

[9] ـ للمزيد أنظر: التحدي الكردي للهياكل الإقليمية بعد الربيع العربي، مجلة السياسة الدولية ،على الرباط التالي :

http//www.siyassa.org.eg/NewsQ/3209.aspx

[10] ـ صلاح عبد الحميد ،مرجع سبق ذكره ، ص ص 149 ـ 151.

[11] ـ شادي عبد الوهاب ،العلاقة بين الحروب الأهلية والحروب بالوكالة "، مجلة السياسية الدولية ،مرجع سبق ذكره ، ص 105.