Africa
تعتبر مصر واحدة من أفضل الدول التي عُنِيَت بالشؤون الإفريقية، كما أنها ما زالت  تسعى سعيها في إحياء الترات العظيم والكنز الوفير التي تتميز به القارة الإفريقية عن غيرها من القارات.
ولا يقتصر هذا الاهتمام على جانب بعينه، بل يشمل كل الجوانب، بما فيها الجانب السياسيوالاجتماعي والديني والثقافي.وسأحاول هنا أن ينصبَّ حديثي على الدور الفعال الذي لعبته مصر، وما زالت تلعبه في الاهتمام بالشؤون الإفريقية من الجانب الثقاقي،والديني، لأن هذين الجانبين أعني الجانب الثقافي والديني يتميزان عن غيرهما من ناحية النهوض بالإنسانية.
وقبل أن أخوض غمار هذا الموضوع أودُّ أن ألفت الانتباهإلى شىئ عُلم مُسبقًا، وهو أن مصر تربة نبت فيها العلم والعلماءقديما وحديثا، وهي أمٌّ أنجبت الكثير من العجائب والأساطير منذ العصور الأولى، وهذه نعمة لابد لكل قلب مصري أن ينحني لها إلى الله شكرا.
فلقد برع المصريون في علوم كثيرةٍ، منها الطب والفلسفة والهندسة والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها من علوم لايمكن أن نستقصى في هذا الصدد. والحضارة المصرية الفرعونيةلا يمكن لأحد أن يجحدها، فهي كضوء الشمس الذي لاينكره إلا الأعمي، وفي هذا المعرض يحضرني قول الشاعر:
قد تنكرُ العين ضوءَ الشمس من رمدِ    ويُنكرُ الفمُ طعمَ الماء من سَقم    
فمن هذه التربة خرج رفاعة الطهطاوي في الفلسفة والفكر، والسيوطي الذي نبغ في اثني عشر علما ذكرها في العلوم التي أتقنها، وابنُ هشام في النحو وشوقي في الشعر وطه حسين في النقد، وكثيرون برعوا في علوم كييرةٍ، ولازال التاريخيحتفل بوجود أسماءهم في طيات صفحاته.
هذه الأشياء وغيرها، كانت من العوامل التي مكَّنت مصر وأهَّلتْها لكي تكون الرمز الأقوى في الاهتمام بالشؤون الأقريقية.
والآن سأسرد الجوانب التي يظهر من خلالها اهتمام مصر بالشأن الإفريقي، وخصوصا الجانب الثقافي والديني .
أولا: الأزهر الشريف وبعثاته
إذا قيل الأزهر الشريف فلا يسعنا سوى أن نكبر ونعظم، كما قال الشاعر أحمد شوقي
قم في فم الدنيا وحي الأزهرا  واننثر على لوح الزمان الجوهرا
فالأزهر قلعة للعلم والثقافة والثراث،أنجب كثيرا من العلماء الذين ساهموا في نشر الدين والثقافة على مستوى العالم كله، وليس فقط في القارة الإقريقة، فقد كان يبعث علماءه منذه سنين إلى كل بقاع الأرض لنشر الدين والوسطية،  وهنا أُشير إلى أن البلاد الأفريقية من أكثر البلاد التي أخصبت بسبب الأمطار التي جاءتها من سماء الأزهر الشريف، وخصوصا بلاد غرب إفريقيا مثل سينغال ونيجيريا ونيجر ومالي وكاميرون، فهذه الدول حظيت بعناية كبيرة من الأزهر الشريف، ولعل السبب في ذلك هو أن الإسلام قد دخل غرب إفريقيا قبل أن يشُقطريقة إلى جنوب إقريقيا وقد يُستدل  على ذلك على سبيل المثال بأن دولة مالي قد قام فيها دولة إسلامية في عصر من العصور، كما أن فيها مدينة تومبكتو التي تعتبر رمزا وعنوانا للتراث الإسلامي، كما أن نيجيريا خرج منها الشيخ عثمان بن فويدو الذي له العديدة من المصنفات والرحلات التي أنفقها في سبيل نشر الإسلام.
وهنا أود أن أذكر نقطة مهمة، وهي أن هناك تشابهًا كبيرا بين المناهج التعليمية في مصر والدول الأفريقة بل تكاد أن تكون طبق الأصل، فمؤلفات ابن هشام انتشرب بشكل أكبر في كل المدارس والكتاتيب، مثل قطر الندى وشذور الذهب وأوضحُ المسالك وغيرها من مصنفاته.
وها نحن الآن نرى طلابا كثيرين يفدون إلى مصر على منح أزهرية وغير أهرية ليتعلموا الدين ويرجعوا إلى بلادهم كي ينشروا الرسالة التي حملوها.
بهذا كله يظهرُ جليًا دور مصر والأزهر في نشر الثقافة والاعتناء بالتراث الإسلامي.
ثانيا:إنشاء المراكز الثقافية
إذا كان الأزهر في مصر، وقد يتجشّم الطالب عناءَ السفر كي يأتي إليه، فإن مصر وتحت رعاية وزوارة القافة قد عُنيت بإنشاء مراكز ثقافية في كثير من أراضي إفريقيا، وذلك لتوفر لهم عناءَ السفر والمصروفات التي قد لايقدر أحد على تحملها، لذا أسِّس لهم هذه المراكز لتقوم بتعليمهم للدين ولِلُغته الجميلة التي هي اللغة العربية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل قامت مصر بإرسال عديد من العلماء، كما قامت بترجمة عديد من الكتب إلى لغات هؤلاء القوم لكي يسهلوا لهم عملية التعليم والتعلم.
         ومن أشهر هذه المراكز المركز الثقافي المصري في نيجيريا والذي أنا شخصيا زرته وقت أن سافرت إلى هناك، ورأيت فيها المجهود التي بذله المصريون في القيام بهذه المهمة، وتذليل طرق التعلم لأبناء هذه الدولة، وهنا أهيب بدور وزارة الثقافة، وأتمنى أن تواصل المسير على هذه الخطى.
ثالثا: معهد البحوث والدراسات الإفريقية
يعتبر هذا المعهد من أفضل الأماكن في مصر التي تهتم بالشؤون الإفريقة، وهذا المعهد أُسس منذ خمسين سنة ليُعنى بالدراسات الإفريقية،وفي هذا المعهد قسم اللغات الذي تدرس فيه كل من لغة الهوسا والسواحيلية والصومالية والفولانية والأمهرية، كما أن فيه قسمَ الساسية والاقتصاد والأنثروبولوجي، كل هذه الأقسام تقوم بمجهود جبار لتوصل الثقافة الأفريقية إلى أبناءها المصريين، ولازال المعهد يستقبل عددا كبيرا من الطلاب من دول مختلفة كنيجيريا على سبيل المثال التي وفد منها عدد كبير وحصلوا على الدكتوراة من معهدنا العريق.
ولا يقتصر المعهد على اتباع نظام الدراسة فقط، بل يقوم بتخصيص دورات علمية في تعلم اللغات الأفريقة مع مدرسين خبراء ناطقين للغة يستقبلهم المعهد من بلادهم لكي يقوموا بتدريس الطلاب.
رابعا: المجلس الأعلى للثقافة
يلعب هذا المجلس دورا كبيرا في الاهتمام بالشؤون الإفريقية، وأنا بصفتي عضوا فيه أشهد على المجهود التي يبذله هذا المركز والذي يتمثل في ترجمة كتب كثيرة إلى عديد من اللغات الأفريقة، كما أننا قمنا بترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغة الهوسا والسواحيلية، وهذا أمر عظيم سيظل في ذاكرة التاريخ لأنه خدمة لكتاب الله ورسوله.
 
خامسا: عقد علاقة وثيقة مع عديد من سفارات الدول الإفريقية
وتتوالى المجهودات التي تبذلها مصر في الاهتمام بالشأن الإفريقي في عقد علاقة قوية ورابطة وثيقة مع عديد من سفارات الدول الأفريقية، لكي تقف على كل ما يحصل هنالك ولقوِّيَ من رصيدها العلمي والثقافي.كما أن معهد البحوث والدراسات الأفريقية يقوم باستحضار مندوب من حدى السفارات ليلقي محاضرة أوكلمة في سيمينار يقيمه المعهد في كل شهر.
ومصر عامة مليئةٌ بالمراكز التي تهتم بالشؤون الإفريقية، ففي جامعة الأزهر قسم اللغات الأفريقية وفي جامعة القاهرة معهد البجوث والدراسات الإفريقة،كما أن في جامعة عين شمس قسما للدراسات الأفريقية، وأتمنى هنا أيضا أن تقوم الجامعة بتأسيس قسم خاص يهتم بالدراسات الأفريقية حتى تعمّ الفائدة وتتم الحلقة، كما أتمنى أن تقوم هذه الجامعة بإعطاء فرص تتمثل في المنح الدراسية لكي يستفيد الطلاب من هذه الجامعة العريقة.
وهنا لا أريد أن أطيل لأن خير الكلام ما قل ودل ولأنه كما يقولون:"البلاغة الإيجاز" وخلاصة ما قلت هو أن مصرنا تبذل جهدا لايستنكر في الاهتمام والاعتناء بالشؤون والدراسات الأفريقة،ولازال هذا الدور وسيظل مستمرا، لأن مصر هي أفريقيا، وأفريقيا هي مصر.
وهنا أصل إلى نهاية هذا المقال، فما كان من صواب فمن الله وما دون ذلك فمني ومن الشيطان، أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا،  والسلام عليكم ورحمة الله وبركانه


بقلم الشاعر المتميز علي مصطفى لون