بسم الله الرحمن الرحيم وصلاةً وسلاماً على سيدنا رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-وعلى أله وصحابته أجمعين.
في الحديث عن قيمة العدل في الإسلام، والرؤية الإسلامية لهذه القيمة، قيمة العدل هناك كلامكثير.
العدل معناه: النقيض للظلم؛ يعني العدل شيئاً والظلم نقيضه، والعدل في الإسلام يبلغ في المقام العالي إلى أن يكون اسماً من أسماء الله -سبحانه وتعالى-انظر أسماء الله الحسنى؛ من هذه الأسماء العدل، هذا مؤشر عميق الدلالة على قيمة العدل في الرؤية الإسلامية، العدل في الرؤية الإسلامية له شمول للحياةِ كلها وللأحياء جميعهم يعني هناك عدلاً مع النفس، يعني انظر حتى الإنسان لا يجوز له أن يظلم نفسه بإرادتهِ واختياره،"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ"، يعني لا يظلموا غيرهم؛ إنما ظلمواأنفسهم، هذا لا يجوز، حتى ظلم الإنسان لنفسه بإرادته واختياره؛ هذا ممنوع،"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا" والهجرة هنا ليس معناها أن تهاجر من المكان؛ إنما أن تهجر الموقف الظالم إلى الموقف العادل؛ لأن هجران الظلم هو هجرة من هذا الظلم إلى الموقف العادل، إذاً؛ العدلُ مع النفس لا يجوز للإنسان حتى أن يظلم نفسه بإرادته واختياره وأن يرضى بالظلم لنفسه، يعني ليس فقط أن يرضى بالظلم لغيره!! وليس فقط أن يرضى بممارسة الظلم مع غيره بل لا يجوز له أن يمارس ويرضى بالظلم لنفسه، أيضاً العدل مع الآخر، ليس فقط الآخر المسلم يعني لا يصح لإنسان أن يظن مجرد ظن بأن عدل المسلم مطلوب مع الآخر المسلم؛ بل مطلوب مع مطلق الآخر، ولهذه الحقيقة كان الإنسان هو المتفرد بالاعتراف بكل ألوان الآخر، وأنا أقول الإسلام يعترف بالآخر الحضاري، يعني يعترف بالآخر القومي، يعترف بالآخر السياسي، يعترف بالآخر الديني، المسلمون وحدهم هم الذين لا يفرقون بين أحد من رسله، ولذلك جاء الإسلام كمالاً واكتمالاً لدين الله الواحد؛ الذي بدأ من آدم إلى محمد --صلى الله عليه وسلم--نحن في القرآن الكريم نعترف بالآخر الديني، نصلي ونقول في التوراةِ هدىً ونور، في الإنجيل هدىً ونور، نصلى ونسلم على كل أنبياء الله ورسله، نحترم كل المقدسات، بل إن القرآن عندما يقول "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا" لم يقلمساجد فقط بل ذكر كل هذه المقدسات بالترتيب التاريخي،إذاً العدل الإسلامي مع المقدسات حتى المقدسات غير الإسلامية، ولذلك الذين يقرأون تاريخ الفتوحات الإسلامية يرون أن كيف الإسلام وصحابة رسول الله --صلى الله عليه وسلم--قد احترموا كل رموز التاريخ الحضاري ومواريث الحضارة الإسلامية حتى منها التماثيل، عندما جاءوا إلى مصر لم يشوهوا التماثيل، أبو الهول؛ عمرو بن العاص لم يعتد عليه؛ الذي ضربه بالرصاص بونابرت، أواخر القرن الثامن عشر، المسلمون احترموا رموز الآخر؛ لأن هذا عدلٌ في الاعتراف بالآخر، حتى الآخر الديني،الآخر الحضاري،الآخر السياسي،الآخر القومي والقطري.. إلى آخره، أيضاً من عدل الإسلام؛ الاعتراف أوالعدل مع من نكره، ليس فقط الآخر؛ حتى الآخر الذي نكرهه، لابدأن نعدل معه "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ" كراهية قوم"عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"، أيضاً من عدل الإسلام أن يترك للناس حريتهم في الاعتقاد، ولو أن الوثنية والجاهلية والشرك تركوا رسول الله --صلى الله عليه وسلم-- وعدلوا معه، وتركوه وشأنه؛ لما كانت هناك حروباً وما كانت هناك غزوات؛ لأن كل هذه الحروب، وهذه الغزوات كانت عدواناً من الشركِ، وظلماً من الشركِ للدولة الإسلامية، وبعد أن هجَّروا رسول الله --صلى الله عليه وسلم-- وأخرجوه من وطنهِ؛ زحفوا إلى المدينة ليزيلوا دولة النبوة ودولة الإسلام، إذاً العدل مع النفس العدل مع الآخر الديني، والحضاري والسياسي والقطري والقومي، لأن الإسلام يرى العالم منتدى حضارات، العولمة تريدُ صب العالم في قالب واحد هو القالب الأقوى، قالب الغرب، الاستكبار الغربي والرأسمالية المتوحشة، أما الإسلام؛ فعدله مع الآخر؛ يجعله يرى العالم منتدى حضارات،في حضارات متعددة، الحضارة الغربيةحضارة،الحضارة الإسلامية حضارة، الحضارة الصينية الحضارة الهندية الحضارة اليابانيةالحضارة الإفريقية؛ كل هذه الحضارات أعضاء في هذا النادي، نادي الحضارات، تتعاون في المشترك الإنساني العام، وتحتفظ كل حضارة ببصمتها، بهويتها، بثقافتها، فكأن هذا المنتدى، منتدى الحضارات الإنسان فيه عضو كل حضارة عضو؛ تصافح الدنيا وتعدل مع هذا الآخر الحضاري، تتعاون معه، تتشارك معه، تتزامل معه، فيما هو مشتركُ إنساني عام؛ مع احتفاظ كل حضارةٍ بهويتها؛ لأن هذا عدلٌ مع الثقافة الخاصة، مع الهوية الخاصة، وعدلٌ مع الهويات والثقافات العالمية للحضارات الأخرى، الاعتراف بالآخر، التعاون مع الآخر، التفاعل مع الآخر، ولذلك هناك فارقٌ بين العولمة الغربية التي تريد صب العالم في قالبٍ واحد، فتظلم الحضارات الأخرى والشعوب والأمم المستضعفة، وبين العالمية الإسلامية التي ترى العالم منتدى حضارات؛ يكون هناك تعاون فيما هو مشتركٌ إنساني عام، من العلوم الطبيعية والتقنيات، والأمور التي لا تختلف فيها الحضارات والثقافات، وهناك احتفاظ لكل حضارة بثقافتها، بهويتها، هذه هي العالمية الإسلامية التي تعدل مع الذات الإسلامية، وتعدل مع الذوات الحضاريةالأخرى، أيضا عدل الإسلام لا يقف عند الفرد كما أشارنا؛ وإنما إذا تأملنا فريضة الشورى في الإسلام؛ نجدها عدل مع المجتمع مع طبقات المجتمع مع الأمة كيف؟
ماهي الشورى؟ الشورى هي المشاركة في صنع القرار، إذاً؛ الاستبداد يقتل حرية الإنسان في صناعة القرار، لكن العدل مع الطاقات والملكات الإنسانية؛ هو الذي يحرر هذه الطاقات والملكات فتكون مشتركة في صنع القرار، الشورى في الإسلامهي عبارة عن عدل اجتماعي، يجعل الإنسان؛ ليس مجرد إنسان هناك مساواه بينه وبين الآخر أمام القانون، لأن المساواة بين الإنسانوالآخرأمام القانون؛ هذا كلام موجود في مواد القوانين، موجود في الدساتير، أما التطبيق الحقيقي في هذا العمل يكون بإشراك كل الأمة في صناعة القرار؛ ولذلك الشورى هي مظهر من مظاهر العدل الذي يحرر ملكات وطاقات الإنسان،فيجعل كل مواطن من المواطنين -رجلا كان أو امرأة كبيراً كان أو صغيراً- يجعله مشاركا في صناعة القرار، والشورى الإسلامية موقف دستوري، بعض الناس يتصور أن الشورى مجرد حاكم يأتي ببعض الناس فيستشيرهم، ثم يصرفهم ليصنع مايشاء، هذه استشارة غير الشورى، الشورى شيء والاستشارة شيء، الشورى كما يعرفها علمائنا يقولون الشورى من قواعد الشريعة، من القواعد وليست من الفروع، ومن عزائم الأحكام، من العزائم وليس من الرُخَص يؤخذ بها مرة وتترك مرة، الشورى من قواعد الشريعةوعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين أهل الخبرة والدين، ليس فقط علماء الدين، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وهذا مما لا خلاف فيه، هذه صيغة كأنها مادة من المواد الدستورية؛ تجعل عدل الإنسان عدلاً شاملا لكل طبقات الأمة، ولكل أفراد الأمة، أيضا من مظاهر العدل في الإسلام: أن العدل يتعدى الإطار الفردي، لأن الشورى تجب على من؟ تجب في الأسرة؛ هي أداة إدارة شئون الأسرة عن رضا وتشاور، وهي صفةٌ من صفاتِ الأمة،"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" وهي فريضةٌ في الدولة، يعني عندنا الأسرة،والشورى تقيم العدل بين أفراد الأسرة، في الأمة والمجتمع الشورى تقيم العدل بين أفراد الأمة، صفة من صفات المؤمنين وأمرهم شورى بينهم في الدولة"وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" شاورهم؛ فعل أمر، صيغة الوجوب،إذاً هذا عدلٌ يشمل الأمة، ويحرر ملكات الأمة وطاقاتها؛لكيلا يقف العدل عند الفرد؛ وإنما يصبح سمة من السمات الاجتماعية في الأمة.
أيضاً تتميز رؤية العدل في الإسلام؛ بملمح في غاية الخطورة وفي غايةٍ من الأهمية؛ لأنه إذا وقف العدل عند الجانب السياسي، عند الجانب القانوني، الناس أمام المحاكم متساوون، لكن القضية قضية الموقف الاجتماعي، قضية الثروات والأموال،هل يمكن أن تكون هناك مساواة حقيقية، عدالة حقيقية بين من لا يجد قوت يومه وبين من يموت من التخمة؟ على النطاق العالمي الغرب أهل الشمال تجد 20 في المئة (20%) من السكان يملكون ويستهلكون 86 في المئة (86%) من ثروة العالم،احتكار لهذه الثروة،فالإسلام ينظر إلى هذا الاحتكار باعتباره مقدمة للطغيان،انظروا إلى السنة الإلهية:"كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى"إذا كان هناك احتكار لسلطة إدارية، لسلطة سياسية، لسلطة مالية؛ هذه مقدمة للطغيان، الاستغناء أن يحتكر الإنسان السلطة ويستغني عن اشراك الآخرين، إذاً؛ هذا الاستغناء، هذا الاحتكار، هذا الاستحواذ، هذا الاستفراد؛ هو المقدمة لهذا الطغيان، ومن هنا الطغيان الغربي، طغيان الحضارة الغربية، عندما يكون 20 في المئة (20%) من السكان، يملكون ويستهلكون 86 في المئة (86%) من ثروة العالم، ويتركون لـ80 في المئة (80%) من أهل الجنوب14 في المئة (14%) من ثروة العالم، بل إن الاستبداد المالي، الربا، الديون؛ التي تلجأ إليها الدول الفقيرة في الجنوب؛ يجعل أغلب إنتاج هذه الدول يسدد فقط جزءً من فوائد الديون، وليس فقط الديون، يعني الاستعباد المالي الذي تمارسه الرأسمالية العالمية المتوحشة ضد أهل الجنوب؛ هو مظهر من مظاهر الظلم والاستبداد المناقض للعدالة الإسلامية التي يريدها الإسلام.
الإسلام يجعل الثروات والأموال المودعة في هذا العالم وفي هذا الوجود هي ملكٌ لله سبحانه وتعالى "وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" المال مال الله، والإنسان؛ مطلق الإنسان مستخلفٌ عن اللهِ في استثمار هذا المال، في الانتفاع بهذاالمال، يعني في الرأسمالية؛فردية تجعل الإنسان حراً حريةً مطلقة في المال، في الشيوعية والماركسية تلغي هذه الحرية بدعوة أنها تكون الملكية ملكية عامة، أما في الإسلام جمع في العدل الإسلامي بين الفرد وبين الأمة، الإمام محمد عبده يلمح لمحةً زكيةً وعميقةً ومشرقة، عندما يقول: إن القرآن الكريم أضاف مصطلح المال إلى ضمير الفرد في سبع آيات، وأضاف مصطلح المال إلى ضمير الجمع المجموع الأمة، في سبعة وأربعين 47 آية؛ وذلك لينبه الله -سبحانه وتعالى-على جمع العدل الإسلامي بين الفرد وبين المجموع، الفرد له ملكية؛ ملكية منفعة يستثمر، يملك، يتمتع، لكن هذا الفرد جزء من هذا الأمة، والأمة هي المستخلفة عن الله -سبحانه وتعالى-في امتلاك هذه الثروات وفي استثمار هذه الثروات، الإمام الزمخشري في تفسير الكشاف وهو يفسر قول الله -سبحانه وتعالى-"وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" يقول: يريد الله -سبحانه وتعالى- على أن ينبه أن المال الذي هو في أيديكم ليس هو مالكم على سبيل الحقيقة إنما هو مال أمتكم.
النظام الوحيد في العدل الذي حقق العدالة الاجتماعية؛ هو النظام الإسلامي، هو نظام الاستخلاف، الأمة مستخلفة عن الله -سبحانه وتعالى- في امتلاك الثروات، وفي الاستمتاع بهذه الثروات، وفي استثمار هذه الثروات، يملك الإنسان لكن ليست ملكية مطلقة؛ وإنما محكومة ببنود عقد وعهد الاستخلاف، لا هي النظام الذي ألغى الملكية، وقتل الحافز الفردي، ولا هي النظام الذي قال دعه يعمل، ودعه يمر، وهذه أموالي أنا حر فيها أصنع بها ما أشاء، لا هي الشيوعية، ولا هي الرأسمالية المتوحشة،وإنما العدل الاجتماعي الإسلامي هو الذي جعل المال مال الله -سبحانه وتعالى- وجعل الناس؛ مطلق الناس، ليس طبقة كما هو في البروجورتارية،أو في البرجوازية، وليس فرداً كما هو في الاستبداد الفردي؛ وإنما الأمة، الناس، مطلق الناس، مستخلفون عن الله -سبحانه وتعالى- في الامتلاك، امتلاك المنفعة، الملكية الاجتماعية، في الاستثمار، في الاستمتاع بهذه الأموال؛ في إطار عقد وعهد بنود الاستخلاف التيهي الشريعة الإسلامية.
أيضاً العدل الإسلامي؛ يجعل المظلوم له غد، له أمل، حتى لو حُرم من العدل في هذه الدنيا؛ فالدنيا ليست النهاية؛ وإنما هي معبراً إلى الآخرة ويجعل الحساب والجزاء والعقاب، وكل هذا العدل الإلهي يوم الدين؛ هو الأمل الذي يجعل الإنسان لا ييأس، لا يقنط من رحمة الله -سبحانه وتعالى-قد يتألم الإنسان، والعدو يتألم، نحن في صراع، يكون هناك ألم من الأطراف المختلفة، لكن الرجاء والأمل؛ وقف على المؤمنين "إن تكونواإِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ".
الإنسان في الإسلام وفي قضية العدل؛ لا ييأس حتى لو جاء عهد وجاءت ظروف وجاءت فترات يسود فيها الظلم في مجتمع من المجتمعات، لكن الإسلام يجعل التجديد يبحث على الأمل، يجعل الثورة على الظلم وعلى الاستبداد سبيلاً لتغيير هذا الظلم، وهذا الاستبداد، ولذلك؛ في حديث لرسول الله --صلى الله عليه وسلم--يحدد ويصور العلاقة بين العدل والجور ماهو؟ العدل ضد الجور وضد الظلم فالرسول--صلى الله عليه وسلم--يقول:"لا يلبس الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع فكلما طلع من الجور شيء توارى من العدل مثله حتى يولد في الجور من لم يعرف العدل ثم يأذن الله سبحانه وتعالى بالعدل فكلما طلع من العدل شيء توارى من الجور مثله حتى يولد في العدل من لم يعرف غيره" في معنى الحديث.
إذاً، هذا الجدل يجعل المستقبل مشرق، لا يجعل الناس يقنطون وييأسون،بل يجعلهم يقاومون هذا الظلم وهذا الاستبداد، يقاومون هذا الطغيان، يقاومون هذا الظلم الذي يمر بهم، أيضاً من ملامح العدل في الإسلام ومقاومة الظلم ومقاومة الاستبداد؛ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعض الناس يتصور أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هو في بعض المجتمعات مجرد واحد ماسك عصاية ويجبر الناس تدخل الجامع يصلوا ويغلقوا المحلات.. إلى آخره هذا جموع من اختزال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي فريضة الفرائض في النسق الفكري الإسلامي، كل ألوان العمل العام والمسئوليات العامة، من الذي ينظف الشارع إلى رئيس الدولة؛ كل هذه ولايات عامه تندرج تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي فريضة تشمل الرجال والنساء "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجعل هناك مسئوليةللعلماء ومسؤولية للأمراء، ويحض على استقلال العلماء، عندما نقرأ في أبي حامد الغزالي، في كتاب إحياء علوم الدين، في الباب الذي كتبه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نجد أنه إذا ذهب العلماء إلى أبواب الأمراء ووقفوا على أبواب الأمراء فهذا جرح لعدالتهم وإسقاط لعدالتهم،مطلوب استقلال العلماء، ومطلوب أن تكون سلطة العلماءِ فوق سلطة الأمراء، ولذلك نحن عرفنا في حضارتنا الإسلامية؛ حضارة وحيدة تميزت بسلطان العلماء، كان عندنا عز بن عبد السلامسلطان العلماء، عندنا سلطان العارفين، بل عندنا سلطان العاشقين، سلطنة للعلم والعلماء في مواجهة الظلم وفي مواجهة الاستبداد، إذاً؛ فريضة العدل، العدل ليس مجرد حق من حقوق الإنسان، لا يجوز للإنسان أن يظلم نفسه، ولا أن يظلم غيره من المؤمنين أو غير المؤمنين، ولا أن يظلم الآخر الديني، ولا أن يظلم الآخر الحضاري، ولا ان يظلم الآخر السياسي، ولا أن يظلم الآخر القومي، لأن الإسلام دين الجماعة، كم جاء رحمة للعالمين، ورسول الإسلام --صلى الله عليه وسلم-- جاء بشيراً ونذيراً للعالمين، وعالمية الإسلام التي تتجسد الآن على أرض الواقع، عندما ينتشر الإسلام في المشارق والمغارب؛ ليظهره على الدين كله وتظهر الحلول الإسلامية على الحلول الغير الإسلامية0
أنا قرأت في قضية العدل الاجتماعي، النظام الإسلامي الذي هو النظام اللآ ربوي ماذا يعني الربا؟ مال ينتج مالاً بدون عمل، هذا ظلم يجعل أوراق مالية تأتي بمال دون أن يبذل جهد، هذا على حساب العامل الذي يبذل الجهد، الذي يأتي بالمال هو العمل، يعني رأس المال مجرد مكون من مكونات العملية الإنتاجية، أنا قرأت في مجلة فرنسيةاسمها التحديات في سنة 2008، كان بابا الفاتيكان يزور فرنسا،وفرنسا هذه بلد الكاثوليكية، بنت الكاثوليكية، أكبر بلاد الكاثوليكية، فبمناسبة الأزمة المالية الخانقة في الغرب التي صنعتها الرأسمالية المتوحشة، والربا والبنوك التي تبحث عن الربح على حساب الناس، ومصالح الناس، هذه المجلة الفرنسية كتبتْ بمناسبة زيارة البابا لفرنسا، تقول: يبدو أننا في حاجةٍ إلى أن نقرأ في القرآن أكثر مما نقرأ في تعليمات الباباوية؛ لأن النظام المصرفي الإسلامي، النظام المالي الإسلامي الذي هو المال لا ينتج مالا، هذا النظام هو المخرج من الأزمة الرأسمالية العالمية، هنا نتذكر القرآن الكريم:"لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" يعني الحل الإسلامي في العدل الاجتماعي في النظام المالي في الاستثمار؛ هو الذي يحقق العدل على النطاق العالمي، ويعترف بذلك غير المسلمين تقول المجلة:-والمجلة في بلد كاثوليكي- يبدو أننا نحتاج أن نقرأ في القرآن أكثر مما نقرأ في تعليمات الباباوية، بل حتى صحيفة الفاتيكان، تحدثت عن أن النظام المصرفي الإسلامي؛ هو المخرج من الأزمة الرأسمالية العالمية، إذاً؛ العدل الإسلامي في الأموال، في الثروات، في الاستثمار، نظرية الاستخلاف،استخلاف الأمة عن الله -سبحانه وتعالى- الله هو المالك للأموال والثروات، هو خالقها، هو مودعها في هذا الكون، واستخلف الإنسان،"وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ"،"وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ" الإنسان خليفة لله -سبحانه وتعالى- والإنسان،ليس فرد، وليس طبقة، فرد في الرأسمالية وطبقه في الماركسية والشيوعية، إذاً؛ النظام الإسلامي -العدل الإسلامي- في الثروات والأموال هو الذي يخرج قضية العدل من جزئية العدل السياسي، واحد يقولك الناس أحرار وفي عدالة بينهم في الانتماء إلى الأحزاب هذا صحيح، لكن هل عضو الحزب الذي يملك شركات وثروات، وزنه،ونفوذه مثل عضو الحزب الفقير؟ يعني الرجل الرأسمالي في حزب من أحزاب الليبرالية والرأسمالية مثله مثل البواب الذي يقف على باب الحزب، إذاً؛ الموقف المالي،الموقف من الثروات، الملكية، هذا السلطان؛ إذا انفرد به الإنسان، واستفرد به الإنسان، هذه مقدمة للطغيان "كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى" إذاً؛ العدل فريضة، وليس مجرد حق من حقوق الإنسان، العدل اسم من أسماء الله -سبحانه وتعالى- العدل مع النفس، العدل مع الآخر، مع المسلم، ومع غير المسلم، حتى مع من نكره،"وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا" العدل مع الآخر الحضاري، مع الآخر الديني، مع الآخر السياسي، العدل في الأمور المالية، والثروات، والأموال، وليس مجرد كلام يقال في الدساتير، وفي القوانين، وفي الصحف، وفي المجلات، العدل هو: موقف إسلامي فريضة إسلامية بدونهِ تصبح الحياة جحيما، وتصبح المجتمعات خاضعة للطغيان،"إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى" إذا غاب العدل؛ حل الطغيان كقيمة في المجتمعات، ولذلك قيمة العدل هي السبيل إلى أن يكون وفاق، وأن يكون هناك اتفاق، وقد تكون هناك إنسانية حقيقية.
أرجو الله -سبحانه وتعالى-أن يعيننا على تحقيق هذا العدل.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.