بسم الله وصلاة وسلاماً على مصطفاه في مبدأ كل أمر ومنتهاه وبعد.
في الحقيقة نظرة الإسلام للإنسان نظرة راقية فيها من التعظيم والتكريم ربما مالايدركه الكثير، انطلاقا من قوله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" هذه النظرة جعلت لمفهوم حقوق الإنسان فيالإسلام مميزات تفرد بها من الشمولية والتنوع وعدم القابلية للتبديل فهي حقوق سياسية وحقوق اقتصادية وحقوق اجتماعية وحقوق فكرية عامة فيها من العمومية مايستحيل معه التمييز بين الناس على أساس من الدين أو على أساس من الجنس أو من العرق أو من اللغة أو من اللون أو غير ذلك،أيضا هي ثابتة غير قابلة للتبديل غير قابلة للتصرف لأنها مرتبطة بالحق -جل وعلا-مرتبطةبمبادئ سماوية راسخة وثابتة، هذ المفهوم لحقوق الإنسان في الحقيقة الذي يبدو فيعالمنا المعاصر وكأنه مفهوم حديث.
من منجزات الحضارة الغربية-في الحقيقة-في حين أن مفهوم حقوق الإنسان فيالإسلام يتجاوز بكثير هذه النظرة المثالية الساذجةلحقوق الإنسان المشوبة بالغموض والتناقض للمفهوم الحديث والمفهوم الغربي على وجه التحديد، لأن الإنسان بهذا المفهوم المطروح على الساحة حاليا؛ ليس إلا مجرد اختزال للإنسان، مجرد اختزال للحضارة، مجرد اختزال للعلم إلى أطر حسية بحته.
اختزال للإنسان كفرد، بعقله المجرد الحسي،البعيد، المجرد عن أي بعد غيبي في هذا الإنسان،أي بعد إيماني في هذا الإنسان،اختزال الإنسان كعقل مرتبط بالحس بالدليل والبرهان دون هذا العمق الغيبي في هذا الإنسان ولذلك كما يقول سيدنا على بن أبي طالب مخاطبا هذا الإنسان "وتزعم أنك جرما صغيرا وفيك انطوى العالم الأكبر"أي أن في هذا الإنسان أبعاد أخرى وفيها حقائق ومعارف وعلوم.
حقائق فوق عقول الغفاة         فأين السفوح من القمة
هذا المفهوم الديكارتي راسوناليزم كاتيزيا المفهوم الديكارتي لحقوق الإنسان أو للإنسان الذى اختزلإلى مجرد أطر حسية بحتة، ينكر مافوق الحس أو مافوق المادة، مفهوم مختزل مبتور ليس فيالإسلام،إنما الإنسان بحقيقته الإيمانية بحقائقه الغيبية فكما أن هناك عالما للشهادة فهناك عالما للغيب، وكما أن لعالم الشهادة ضوابطه ومناهجه العلمية من الدليل والبرهان ومن التجربة والاختبار، فأيضا في عوالم الغيب هناك تجاربا لها أيضا ضوابطها وقواعدها ويتعرف منها الإنسان على حقائق علوية ربما يجهلها الآخرون،فلا يمكن الحكم على الآخرين، لا يمكن أن نحكم على علم الآخرين بجهل البعض، ولذلك نجد أن هذا المفهوم المبتور، جعل الفلسفة تحل محل الدين والعلوم الطبيعية محل العلوم الوراثية، وحقوق الإنسان محل حقوق الديان، والقوانين الوضعية محل القوانين السماوية؛ نتيجة اختزال الإنسان إلى هذه الأطر الحسية البحتة هذا الاختزال هو الذي ظهر فيما يسمى فكرة هيومانيزم (الإنسانية) أو مفهوم الإنسانية هذه هي التي جعلت من الإنسان حقوق الإنسان دورواديلوم، أفيك كما يقول الفرنسيون افك انجراندش يعني حرف أش الذيهو يبدأ به الإنسان أٌم، جعل من الإنسان كفرد بعقله المجرد يحل محل الإله، إذاً جعل من هذا الإنسان حاكماً على كل شيء، جعل منه مصدراً للقيمٍ، مصدراً للمبادئ مصدراً للأحكام مصدراً للنظم، مصدراً لكل شيء لا يعلوه شيئاآخر، يعني الإنسان ببعده أو بأبعاده المحدودة المجردة ليس بأبعاده الغيبية الإيمانية، هذا المفهوم للإنسانية ليومانيزم هو الذي فيما بعد تحت مسمى العلمانيةواللاييسيزم.
العلمانية: فصل الدين عن الحياة، فصل الدين عن الدولة، فصل الدين عن العلم، لأنه اختزل الإنسان،اختزل العلم،اختزل الحضارة، وهذه المنازعة هي التي ظهرت فيما بعد تحت مسمى الفردية،الفلسفة الفردية لاندفيديوليزم فلسفة ظهرت لتعبر عن الفردية، الإنسان كفرد ليس الإنسان كحقيقه عليا، وإنما الإنسان كفرد محدود، كل هذه النزاعات هي التصور الغربي لحقوق الإنسان، هذا التصور في الحقيقة دليل على تناقضه هو مانراه منذ ظهور هذه الفكرة حتى الآن، كيف يمكن لنا أن نفسر مفهوم حقوق الإنسان الذي يتغنى به الغرب، والذي تتغنى به الحضارة الغربية منذ الثورة الفرنسية، والثورات الأوروبية المتعاقبة، كيف نفسر هذا المفهوم مع تلك الحالة الاستعمارية؛ التي ظهرت بعد هذه الثورات، والتي تعبر عن استغلال وقهر الشعوب الأخرى طوال أكثر من قرنين من الزمان، كيف نفسر ماادعاه أدعياء حقوق الإنسان، من حقوق الإنسان؛ مع تلك الحالة الاستعمارية التي اجتاحت فيها أوروبا أفريقيا وأسيا وأمريكا الجنوبية خلال عقودَ طويلةأو قروناً من الزمن؛ تم فيها استغلال هذه الشعوب واستعبادها واستنزاف ثرواتها، كيف نفسر حقوق الإنسان مع تلك الحالة من التمييز والكيل بمكيالين على مدى الزمان؟ كيف نفسر حقوق الإنسان بهذه الأحوال التي نراها الآن أو من تلك الحالة التي نعيش عليها اليوم من الصراعات أو من تلك الحقبة التي نمر بها أو مررنا بها ولا زلنا؛ من سياسة الردع النووية التي يعيش فيها العالم على أطراف أصابعه تحت وطأة التهديد بالسلاح النووي أو بالقوة أياً كان الأمر؛ فهذا دليل على عدم تناسق هذا المفهوم وعدم توافقه مع الحقائق المنضبطة لحقوق الإنسان في الإسلام، إن هذا البعد الإيماني الغيبي لحقوق الإنسان في الإسلام؛ هي أساس حرية العقيدة في الإسلام.
هذا البعد الإيماني ليس من فراغ وإنما من حقائق؛اطلع فيها الإنسان على حقائق الوجود كما قال تعالى "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ" أي وهم لا زالوا حقائق روحية قبل أن يأتي دورهم في عالم الخلق وأشهدهم على أنفسهم، تجلى لهم -سبحانه وتعالى-بأنوار ذاته وصفاته ألست بربكم؟!! فسمعوه بأنوار اسمه السميع، وتكلم إليهم وهو المتكلم على الحقيقة،ألست بربكم؟ فأقروا وشهدوا بأنواره شهدوه به بلى شهدنا فكلاً قد سمع وتكلم إلى مولاه وشاهد؛ فهذه حقائق، ولذلك قال تعالى عن السمع والبصر والفؤاد "كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا" هذا البعد هو أساس حقوق الإنسان، هو أساس حرية العقيدة، لأن الكل قد شهد، ومن هنا قال تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"لأن كل إنسان قد رأى فلا إكراه في الدين،أشهدك قبل أن استشهدك، كما قال بن عطاء الله السكندري -رضي الله عنه-.
فحرية العقيدة إذاً تستند هنا ليس إلى هذا المفهوم المبتذل لحرية العقيدة أي لحرية الكفر لحرية الفوضى وإنما إلى بعد حقيقي واطلاع حقيقي على حقائق الوجود بُعْد حقيقي في الإنسان اطلع به على هذه الحقائق هي التي تشكل إنسانياته، وهي التي ميزته على كثيراً مما خلق سبحانه وتعالى وفضله بها تفضيلا، وهذه أيضاً هي الأساس في عدم التمييز بين البشر في وحدة الأصل الإنسانية قال تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" بمعرفته له، بتحقيقه لتعرفه على ربه لتحققه بهذا المفهوم الحقيقي الذي أصبح به إنسانا.
فالتنوع بين الذكر والأنثى والشعوب والقبائل؛ حقيقة في مفهوم حقوق الإسلام في الإنسان، من الطبيعي أن يصب هذا التنوع في نهر التعارف والمحبة والسلام، والتراحم بين الذكر والأنثى بين الشعوب والقبائل قال تعالى: "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ"هذا الإيمان أصل في الإسلام، أنه يؤمن بكل الرسل، وبكل الأديان وبكل الرسالات السماوية وبكل الكتب التي سبقت الإسلام، والتي نص عليها القرآن؛ الأديان السماوية الثلاث.
فوحدة الأصل هي الأساس في عدم التمييز بين البشر بسبب الجنس "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا"وحدة الأصل الإنساني في هذا المفهوم الإسلامي لحقوق الإنسان هي الأساس في عدم التمييز بين الناس بسبب الجنس، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم-"يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا أبيض على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى" هل بلغته فهذا كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن ثم كان الإيمان بالتعددية وعندنا الأساس في العلوم الإسلامية فقه الاختلاف، قال العلماء: من يفقه علم أو فقه الاختلاف لم تشم أنفه رائحة الفقه، فالكلام في هذا كثير.
فالتعددية وفقه الاختلاف هي الأساس أيضا في مفهوم حقوق الإنسان وفي التعددية وعدم التمييز بين الناس بكل صورها سواء كانت هذه التعددية عرقية أو دينية أو فكرية أو حضارية أو ثقافية أو غير ذلك، وهذا التنوع والتعددية في الإسلام والقبول للآخر هي الأساس في هذا الثراء الفكري والعلمي في الحضارة الإسلامية لقد أدت هذه التعددية برجل مثل سيبويه الفارسي أن يكون حجة ومرجعية وعلامة اللغة في الحضارة الإسلامية وأشكاله كالجرجاني والتفتزاني وغيرهما، كانت هذه التعددية من وراء ظهور رجال وأئمة من غير العرب في أمة الإسلام، في أمة نزل القرآن بلغتها في كافة العلوم؛ في علوم الحديث والتفسير والفقه والأصول وغير ذلك من العلوم.
من هو الإمام البخاري ومن أين أتى الإمام البخاري؟ من هو الإمام الترمذي أو مسلم أو النسائي أو ابن ماجة أو الطبراني أو البيهقي؟ أو غيرهم، الأكثرية الغالبة من رجال الحديث وكذلك طائفة من كبار المفسرين كالزمخشري والنيسابوري وغيرهم من هو أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه؟ ليس من العرب، من هو أحمد بن حنبل؟ ليس من العرب، من هو فقيه مصر الليث بن سعد؟ الذي قال عنه الشافعي رضي الله عنه كان الليث أفقه من مالك ولكن ضيعه تلاميذه، من هو الإمام الحسن البصري إمام التابعين؟ الكوكب الفرد، من هو الإمام الشعبي؟ عطاء بن رباح، الضحاك؟ وغيرهم كثير من هؤلاء أئمة ملئوا سماء الإسلام بالعلوم من فقه وأصول وحديث وتفسير ولغة وغير ذلك كل هؤلاء ليسوا من العرب ولكن لماذا؟ لأن حقوق الإنسان في الإسلام تقوم على التعددية على أساس عدم التمييز بسبب هذه الوحدة وحدة الأصل الإنساني التي نص عليها القرآن كما تقدم.
إن هذه التعددية أيضا هي أساس مبدأ المساواة في حقوق الإنسان في الإسلام،بل إن هذا المبدأ يكمن بأعظم وأتم معانيه في عمومية وشمولية رسالة الإسلام، رسالة الرحمة لكافة العالمين، قال تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" ليس لفئة دون فئة وليس لجنس دون جنس وليس لأمة دون أمة، وليس للإنسان فقط بل للإنسان ولغير الإنسان من العوالم التي قد يجهلها الكثير من الناس "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" يا بني الإنسان لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء عسى أن يكونوا خيرا من هن، لا تمييز بين رجل أو ذكر وأنثى، قال تعالى "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ" الآيات فالمساواة مبدأ مُقر ومُستقر في هذا الدين بسبب هذه التعددية وهذا المعنى العميق في القرآن الكريم بالتنوع والاختلاف كما قال سبحانه وتعالى في الآيات التي سبق ذكرها، وهذه التعددية هي أيضا الأساس والمصدر لحرية التعبير في الإسلام، قال تعالى: "الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" فحرية التعبير تطبيقاً وإدراكاً لنعمة الله تعالى؛ بتعلم الإنسان البيان؛ بل أبلغ من ذلك فهي ليست حق فقط للإنسان بل واجباً فرضه الله سبحانه وتعالى بمقتضى هذه النعمة نعمة البيان أن يبين الحق وذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الحديث كلمة حق عند سلطان جائر للعلماء خير كلمة كلمـة حق عند سلطان جائر؛ ولذلك قال سيدنا عمر -رضي الله عنه-"لا خير فيكم إن لم تقولوها" ولكن حرية التعبير بمعنى الإثارة والفتن وسوء الظن والفُحش والهدم ليست من دين الله في شيء، بل هي مسئولية ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون بأنفسهم خيرا، وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، بهذا المعنى ليست حرية التعبير من دين الله في شيء، قال تعالى: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"
وقال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا" وقال تعالى: "وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا" القول لابد أن يكون بالعدل وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-"كفى بالمرء عيباً بأن يحدث بكل ماسمع"أو "كفى بالمرء كذباً بأن يحدث بكل ماسمع" فحرية التعبير لها ضوابطها هنا تأخذ كل مظاهر حقوق الإنسان معناها الحقيقي عندما نصل بحقوق الإنسان بالأصل الرباني للإنسان بالأصل الغيبي الإيماني للإنسان.
إن وحدة المصير الإنساني التي يرسمها البعد الإيماني لحقوق الإنسان في الإسلام هي الضمان الحقيقي لهذه الحقوق هي الضمان الحقيقي لهذا الإنسان الذي يؤمن بوحدة المصير بأن الرجع إلى الله، وأن المنتهى إلى الله وأن إلى ربك المنتهى "وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" فالسيرورة ليست إلى الموت وإنما إلى الحياة وإلى الحياة الدائمة وإلى الحياة القائمة الخالدة "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" ومن هنا يأتي مفهوم العدل كحقٍ من حقوق الإنسان، مرتبط بالإيمان بالآخرة وبالحساب وبالبعث وأن هناك حساب وأن ليس هذه الدنيا عبث "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" ولذلك أمر سبحانه وتعالى بالقسط بين الناس، وكان هذا أساس في الدين ولحقوق الإنسان بل كان أساساً للرسالات السماوية جمعاء.
قال تعالى "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ".
إن حياة إنسانٍ جاء من أصلٍ واحد، وسائر إلى مصيرٍ واحد،وحباه الله سبحانه وتعالى بمعارف معينة راقية سامية، وبتكريم خاص وبتفضيل عن كثير مما خلقه لابد أن تكون هذه الحياة أولى بالرعاية والحرمة بل وبالتقديس؛ ولذلك قال تعالى: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" وهذه الحرمة ثابتة، هذه الحرمة والحق في الحياه ثابتة للإنسانِ؛ دون تمييزٍ بسبب لونٍ أو جنسٍ أو عرقٍ أو دينٍ أو غير ذلك، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه البخاري "من قتل معاهداً حرمت عليه الجنة" أي من أهل الكتاب من غير المسلمين من قتل معاهداً حرمت عليه الجنة وقال تعالى "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ"هذا المفهوم المتعمق لحقوق الإنسان المرتبط بالأصل الإيماني الغيبي للإنسان هو الضمانة الحقيقية لحقوق الإنسان، لا تقوم على تمييزٍ أو مكيالٍ بمكيالين، أو بمعاييرٍ ومقاييسٍ مرتبطة بالتقديرات التحكمية لجيلٍ معين أو حضارة معينة أو شعبٍ معين أو سيطرةٍ معينة وإنما تقوم على أصلٍ رباني يجتمع فيه الإنسان بأبعاده الغيبية الحقيقية ويتوحد فيه الإنسان في أعلى مراتبه وأبعاده الإيمانية.
والله يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل، ونستغفر الله من كل قول وعمل أردنا به وجهه فخالطنا فيه ماليس له.
 وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.