بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلينصاحب السنة المطهرة المبعوث رحمةً للعالمين سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد بن عبد الله الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة المؤمنون. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن وسطية الإسلام تعني الاستقامة والعدل وعدم الميل أو المغالاة أو التحلل لقد فهم البعضُ المعنى الشكلي السطحي لكلمة الوسطية فظن أنها كل أمرٍ وسط لم يبلغ الكمال، ولم يبلغ الأولية في الموضوع؛ بيد أن كلمة الوسط معناها الأفضل والأكمل والأعدل ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" أي جعلناكمأمةً عدولاً خياراً، وكما قال جل شأنه:"قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون" أي قال خيرهم وأفضلهم وأعدلهم؛ إذاً الوسطية في الإسلام تعدل الأفضل وتعني الأكمل والخير والأعدل ومن هنا برزت وسطية الإسلام في جانب العقيدة، وفي جانب العبادات،وفي جانب المعاملات،وفي جانب الأخلاق،وفي كل الجوانب؛ إذ أنها تعني الأفضل والأكمل، والعدول والخير ولننظر إلى وسطية الإسلامفي جانب العقيدة: نرى أن عقيدة الإسلام عقيدة سمحة،لا مغالاة فيها،ولا شطط فيها،لا انحراف فيها ولا تحرر فيها، لا تمثيل ولا تعطيل فيها؛ وإنما هي عقيدة الوسط،ليس فيها القهر والإجبار ليس فيها التحلل والاختيار بل هي وسط بين هذين الأمرين نؤمن فيها بالله ربنا وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- نبياً ورسولاً،وقد جاء في حديث جبريل عندما أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسأله عن الإيمان والإحسان والساعة، لما سأله عن الإيمان الذي هو العقيدة قال "أن تؤمن باللهوملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره"، والإيمان بالله يعني أن نؤمن بأن الله موجود وبأنه واحد لا شريك له، ووجوده ووحدانيته قامت الأدلة النقلية والعقلية على ذلك لما سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام صف لنا ربك نزل قول الحق تبارك وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فاعلم أنه لا إله إلا الله وهكذا نرى الأدلة النقلية تثبت وجود الله ووحدانيته ليس في هذا العقيدة التي نؤمن فيها بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر ليس فيها تعقيد ولا تعتيم ولا تفلسف؛ بل هي عقيدة وسط سمحة، يدرك الرجل العادي وجود خالقه ووحدانيته وقدرته،دون حاجة إلى دليل، وإن لم يتعلم لأن الله سبحانه وتعالى أودع فطرة الإيمان في قلب كل إنسان،خرج من بطن أمه ووفد على دنيا الحياة بفطرة الإيمان، كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-"ما من مولود يولد إلا ويولد على الفطرة فأبواهُ يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم تلى راوي الحديث أبو هريرة رضي الله عنه "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها" هذه الفطرة الإيمانية التي وفد كلُ إنسانٍ إلى دنيا الحياة بها؛سمحة، ميسرة، وسط، لا إفراط فيها ولا تفريط؛ ولذلك يدركها كل إنسان ومعه عقله لدرجة أن رجلا أعرابيا يعيش في الصحراء ماتعلم في مدرسة ولا تخرج من جامعةوعندما سئل عن وجود الله أجاب قائلاً، أجاب بما في بيئته الصحراوية من جمال ونوق ومخلفات الجمال كالبعر، أجاب قائلا:"البعرة تدل على البعير وأثر السيرِ يدل على المسير أفسماءٌ ذاتِ أبراج وأرض ذاتِ فجاج وبحارٌ ذاتِ أمواج أفلا تدل على اللطيف الخبير"، مستدلاً بما في كتاب الكون المفتوح من آياتٍ باهرة ناطقة بوجود الخالق ووحدانيته وفي كل شيءٍ له أية تدل على أنه الواحد، وإذا كان البدوي في الصحراء والذي لم يتخرج من جامعة أدرك عظمة هذه العقيدة بسماحتها ووسطيتها فإن هناك نمطاً من الناس والمفكرين والعارفين بالله يرون أن وجود الخالق ووحدانيته ليس ذلك في حاجة إلى دليل يدل عليه، فهاهو ذاك ابن عطاء الله السكندري يقول: إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؛ أيكون لغيرك من الظهور ماليس لك حتى يكون المظهر لك؛ متى غبت حتى تحتاج إلى دليلٍ يدل عليك؛ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، هذا نمطآخر من التفكير لأن العقيدة بسماحتها ووسطيتها؛ وبما منح الله الإنسان من عقل يدرك هذه الحقيقة أن يؤمن بالله وأن لله ملائكة لهم مهام وأعمال منهم الكتبة ومنهم الحفظة إلى آخر ذلك والإيمان بالكتب وآخرها القرآن الكريم تبياناً لكل شيء، والإيمان بالرسل وأن الله ختمهم بسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وبين مكانه من إخوانه السابقين من الأنبياء والمرسلين؛ حين قال:"مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجلاٍ بنى بيتاً فأجمله وأحسنه إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وفي هذا التعرف على الوسطية في هذه العقيدة أنها لا إكراه فيها لا جبر للإنسان فيها، وأيضاً لا اختيار بالمرة فيها؛ وإنما هي وسط بين هذا وذاك؛ بمعنى أن هناك أموراً نحن فيها مجبورون ومقهورون؛ كأن يولد الإنسان من بطن أمهِ ذكراً أو أنثى، أبيض أو أسود، وأن يعيش من العمر مايعيش وأن يكون قوي البنية، أو أن يكون ضعيف البنية، كل هذه أمور لا دخل للإنسان فيها ولا دخل له فيها ومن أجل ذلك لا يحاسب عليها؛ لكن هناك أمورا أخرى اختيارية وهي أن يعمل الصالحات فيثاب عليها، أن يعمل المعاصي فيحاسب ويعاقب عليها، فالأمور الاختيارية التي يحاسب الإنسان عليها، أما الأمور التي أرادها الله تعالى بالإنسان لا يحاسب عليها، أراد بنا، وأراد منا؛ فلا ننشغل بما أراد بنا عن ما أراده منا وإذا انتقلنا من جانب العقيدة السمحة التي لا إفراط فيها ولا تفريط لا نرفعُ الرسول إلى درجةٍ عليا ونقول هو الله أو ابن الله ولا ننزل به إلى درجةٍ دنيا فنقول هو كسائر البشر وإنما وسط، هو رسولٌ بشر ولكنه يوحى إليه هو بشر لكنه معصوم، هو بشر ولكنه مرسل من قِبَل الله تعالى "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم" لا نرفعه لدرجة الألوهية-حاشا لله- ولا ننزل به عن درجة أدنى من درجة الرسول المعصوم الذي يوحي إليه وكما قال الإمام البوصيري -رحمه الله- دع ما ادعته النصارى في نبيهم وهو قولهم ابن الله أو هو الله.
دع ما ادعته النصارى في نبيهم    واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف    وانسب إلى قدره ما شئت من عِظَمِ
فإن فضل رسول الله ليس له    حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفم
فمبلغ العلم فيهِ أنه بشرٌ    وأنه خير خلق الله كلِهمِ

فالوسطية هنا تعني أنه لا يرتفعُ إلى درجة الألوهية ولا ينزل إلى مادون درجة النبوة والعصمة؛ بل هو وسط، هذا هو الجانب الأول من وسطية الإسلام وهو جانب العقيدة، فإذا انتقلنا إلى الجانب الثاني من جوانب وسطية الإسلام وهو جانب العبادات: رأينا أن الله تعالى كلفنا بأن نصلي، وأن نصوم، وأن نزكي، وأن نحج، وأن نجاهد، وأن نأمر بالمعروفوننهي عن المنكر، وأن نبر الوالدين، وأن نحسن الجوار، إلى آخر هذه العبادات وجاءت التكاليف بهذه العبادات؛ تمثل منهاجاً وسطياً لا إفراط فيها ولا تفريط، فمثلاً عبادة كعبادة الصلاه لا تستغرق كل الوقت، ولا نصف الوقت، ولا ساعات كثيرة من الوقت، بل هي دقائق في أوقات حددها الإسلام بأنها خمس فرائض في اليوم والليلة، لا صعوبة فيها ولا مشقة فيها،"وما جعل عليكم في الدين من حرج" "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" حتى الأداء لهذه العبادات؛ إذا لم يستطع الإنسان أن يصلي من قيام؛ صلى من قعود، وإذا لم يستطع أن يصلي من قعود؛ صلى مستلقياً، وإذا لم يستطع أن يصلي مستلقياً؛ صلى وهو يوميء برأسه، فإذا لم يستطتع أن يوميء برأسه يوميء برموش عينيه، فإذا لم يستطع ذلك كله أجرى أركان الصلاة على قلبه، ولا يتركها مادام عقله ثابتا، لأن العقل هو مناط التكليف، فلا تسقط عبادة الصلاة عن الإنسان مادام عقله ثابتاً، ولكن وسطية الإسلام تجعله يؤدي مايمكن أن يؤديه "وما جعل عليكم في الدين من حرج""يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" حتى الوسيلة التي ندخل بها إلى الصلاة وهي الطهارة والوضوء، لو لم يستطع أن يتوضأ لمرضٍ في جسده يمنعه من استعمال الماء، أو لأنه لم يجد الماء يتيمم بالتراب، ضربة للوجه وضربة لليدين، وسطية واعتدال وإذا انتقلنا من عبادة الصلاة إلى عبادة الصيام نرى أن الصيام يكون مفروضاً على الإنسان القادر، أما إن عجز عن الصيام أو أصابه إعياء أو تعب بسبب سفرٍ طويل، أو امرأة حامل أو مُرضع أو نحو ذلك من الأعذار "فعدة من أيام أخر" أحل الإسلام أن يفطر الإنسان في رمضان ثم يقضي ماعليه بعد ذلك، لما جاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة فاتحين مكة وأحس بالإعياء والمشقة والجو حار؛ أمسك إناء الماء أمام أصحابه وشرب فعلموا الرخصة، وعلموا سماحة الإسلام ووسطيته؛ فشربوا وأفطروا، ولما ظل بعضهم متمسكاً بصومه وقيل له يارسول الله إن جماعة مازالوا متمسكين بصومهم قال أولئك العصاة أولئك العصاة لأنهم لم يأخذوا بالرخصة ولا بسماحة الإسلام ووسطيته، وكما تكون وسطية الإسلامِ في العبادات من صلاةٍ وصيام، تكونُ في الزكاةِ أيضاً إذ لم يفرض الزكاة في كل يوم ولا في كل شهر بل قال:"وآتوا حقه يوم حصاده" وتتجلى الوسطية في الزكاة على حسب تكلفة صاحب الزرع فلو كان يتكلف كثيراً وكان يستخدم آلة فنصف العشر، وإن كان لا يستخدم آلة فالعشر، وهكذا كلما زاد التعب قل ما يدفعه وكلما قل التعب زاد مايدفعه فالذي يجد شيئاً من كنوز أو ركاز الجاهلية دون تعب فيه الخمس يخرجه من الزكاة، فجاءت الوسطية في الزكاة تراعي حاجة الفقير وحاجة صاحب المال. وإذا انتقلنا من عبادةِ الصلاةِ والزكاةِ والصيام إلى عبادة الحج مثلاً نرى أن القرآن الكريم يحدد لمن يكون الحج؟ من استطاع إليه سبيلا فشرط الاستطاعة بالنفس تكون صحته قادرة على أداء المناسك والسفر الاستطاعة بالمال أن يكون لديه المال الذي يؤدي ويسافر به، فإذا لم تتوفر الاستطاعة في الصحة أو في المال أو في أمن الطريق لا يكون الحج فرضاً على الإنسان، فراعى الإسلام الوسطية في العبادات كما راعى الوسطية في العقيدة، وكما تكون الوسطية في العقيدة وفي العبادات؛ تكون أيضاً في المعاملات،فإذا عامل الإنسان أخاه الإنسان كان سمحاً معه، لا يشدد عليه ولا يهمل حقه؛ وإنما يكون وسطاً والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول:"رحم الله رجلا سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى واقتضى" في سائر المعاملات وفي سائر العلاقات وفي سائر العبادات وهناك حديث يؤكد على هذا المعنى وهو أن أبا بكر الصديق لما مر على حنظلة وقال كيف أنت يا حنظلة قال نافق حنظلة قال سبحان الله قال نكون عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرنا بالجنة والنار كأننا نراهما رأي العين فإذا خرجنا من عند رسول الله عافسنا الأزواج يعني مارسنا والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، قال أبو بكر إن كان هذا نفاقاً فقد وقعنا جميعاً فيه فلما ذهبا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبره حنظلة وقال له: نكون عندك يارسول الله تذكرنا الجنة والنار كأننا نراهما رأي العين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فأجابه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: لو تدومون على ماتكونون عليه عندي في الذكر لصافحتكم الملائكة في طرقكم وعلى فروشكم ولكن ياحنظلة ساعةٌ وساعة ساعةٌ وساعة ساعةٌ وساعة أي أن الإسلام دين وسط لا تأخذ نفسك بالمشقة والعبادة دائماً؛ولا تترك دائما، ولكن ساعة وساعةكما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكما تكون الوسطية في العقيدة وفي العبادة وفي المعاملة والتسامح في المعاملة تكون أيضاً في الأخلاق، فليست الأخلاق إلا وسطاً بين إفراط وتفريط؛ فمثلاً: خلق مثل خلق الشجاعة، لو زاد عن حده يصبح تهوراً، ولو نقص عن حده يعتبر جبناً، الوسط بين التهور والجبن الشجاعة. خلق مثل خلق الكرم، لو زاد عن حده كان إسرافاً وتبذيراً، ولو نزل عن حده كان شحاً وبخلاً،والوسط هو الكرم والبذل والعطاء وهكذا نرى أن الوسطية أيضاً في الأخلاق، هناك عزة؛ ولكن في غير تكبر، هناك إنفاق؛ ولكن في غير إسراف أو تقتير،"الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" وهكذا نماذج كثيرة يتضح من خلالها أن وسطية الإسلام هي العدل والاستقامة، والأفضل والخير، وهذه الأمة وصفها القرآن "وكذلك جعلناكم أمةً وسطا لتكونوا شهداء على الناس" وهي أمةٌ وسط، وعقيدةٌ وسط، وعبادةٌ وسط، ومعاملاتٌ وسط، وأخلاقٌ وسط، ومن هنا كانت الوسطية لها رسالتها العالمية التي تعم العالم بأسره ليدخل الناس في دين الله أفواجا؛ لأن رسالة الإسلام خاتمة الرسالات؛ ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الأنبياء والمرسلين -فصلوات الله وسلامه عليك ياسيدي يارسول الله- يارحمة ربنا المهداة،ويانعمته المسداة، ويامن جئتنا بالحنيفية السمحة، بوسطيتها وعدالتها ورحمتها، اللهم شفعه فينا بجاهه عندك، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى أله وصحبه أجمعين،والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.