بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
فإن من القضايا المعاصرة التي شغلت كثير من الباحثين والمفكرين في عالمنا المعاصر،قضية المواطنة وما يترتب على هذه القضية من حقوقٍ وواجبات،فمن الأهمية بمكان أن يعرف المواطن ماله وماعليه في وطنهالذي يعيش فيه،ويعيش على أرضه ويستظل بسمائه،ويتمتع بخيراته،فلإنسان حينما يتمتع بحقوقه يشعر بالانتماء لهذا الوطن،ولذا فإن الإسلام قد عنى عنايةً بالغة ببيان حقوق المواطن التي ينبغي أن يتمتع بها،ومن أبرز هذه الحقوق حق المواطن في الحرية،فالحرية حق أصيل،إن الله تعالى أتاح لكل إنسانٍ أن يتمتع بحريته،والحريةُ لها مظاهرها ولها مجالاتها،فمن أبرز صور الحرية في الإسلام،حرية العقيدة حيث إن لكل إنسان أن يعتقد مايشاء من معتقد،وقال تعالى: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وقال تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" فمن حق كل إنسان أن يعتنق العقيدة التي يراها،وليس معنى ذلك أن من حق الإنسان أن يغير عقيدته أو أن يبدلها،ولكن لا يُنكر على الإنسان في عقيدته التي يعتقدها أو الدين الذي يتبعه،ويتفرع عن حرية العقيدة حرية الفكر؛ فإذا كان الله تعالى قد أتاح للإنسانِ وقد أباح له حرية العقيدة فإن من الحقوق المترتبة على حرية العقيدة حرية الفكر، وحرية الثقافة، فبستطاعة الإنسانِ أن يفكر بالمنهجية التي يراها مناسبة، وأن يعبر عن أفكاره بحريةٍ تامة ولا ينكر عليه،والتعددية الفكرية حقٌ مكفول في الإسلام،وإن الإسلام التمس الضمانات المناسبة للتعبير عن الرأي وغير ذلك من أشكال التعبير،وهناك حقٌ آخر،حق المساواة، هذا الحق يعتبر من أبرز حقوق المواطنة؛ حيث إن الإسلام بَيَّنَ أنه لا مجالَ للمفاضلةِ بين الناس إلا على أساس التقوى قال تعالى: "ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثىوجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" إذاً لا مجال للمفاضلةِ بين الناس على أساسٍ عرقي أو على أساس الألوان أو على أساس الجنس أو على أساس الغنى أو الفقر أو غير ذلك مما يتفاضل الناسُ فيه فالكل أمام الإسلامِ سواء وإن الإسلامَ يرسخ مفهوم تكافؤ الفرص وعدم المحاباة، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَيَّنَ ذلك فقال:"لا فضل لعربيٍ على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى"وهناك تطبيقاتٌ عمليه حدثت في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيضاً من قيم المواطنة،قيمة المشاركة،مشاركة الإنسانِ لإخوانهِ وإسهامه في خدمة وطنهِ،فكما يقول علماء الاجتماع:"أن الإنسان مدني بطبعه" أي أن الإنسان لا يعيش بمعزلٍ عن الآخرين والإنسان لا يعيش لنفسه،لأن الله تعالى قال: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" إذاً التعاون والمشاركة بين الناس قيمة عليا من القيم التي أعلاها الإسلام،وبَيَّنَ أنها تعتبر من الحقوق المقدسة بالنسبةِ للمواطنة، فليس في الموروثات الثقافيةفي الإسلام ولا في الثقافة الإسلامية؛ أن الإنسان يعيش لنفسه،بل إن درجة الإنسان عند الله منوطة بمقدار مايسديه للآخرين من خدمات, والنبي صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ في الحديث "والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه"،إذاً قيمة المشاركة وقيمة التعاون قيمةٌ كبرى من قيم المواطنة ولكن حينما ننظر إلى مسألة المواطنة أو قضية المواطنة المسألة في المواطنة لا تنحصر في مجال الحقوق وإنما تتعدى مجال الحقوقِ إلى مجال الواجبات، أي أن الإنسان لا ينبغي أن يطالب بحقوقه باستمرار ولا يلتفت إلى الواجبات المنوطة به،فكما يقال كل حقٍ يقابلهُ واجب،ومن ثم فإن من أبجديات وأسس المواطنة التمتع بالحقوق والقيام بالواجبات المترتبةِ على هذه الحقوق، وهذا مارسخه الإسلام،إن الإسلام لا يربي المسلم على الأخذ فقط،وإنما يربيه على الأخذ والعطاء،فمن أساسيات المواطنة أن يتمتع الإنسان بحقوقه ولا يقصِّر في واجباته، هناك قيمةٌ كبرى تتعلق بقضية المواطنة وهي قيمة التعايش،الإسلام أقر مبادئ التعايش بين الناس،وبيَّن الأسس التي ينبغي أن تقوم حياة الناس عليها،فشاء الله تعالى أن يخلق الناس مختلفين في الأشكال والطبائع والألوان، وطريقة التفكير وغير ذلك من الأمور المجتمعية أو المسائل التي يتفاوت الناس فيها،وهناك بعض السلوكيات التي تؤدي إلى حالةٍ من الاحتقان وإلى حالةٍ من التشنج، ولكن الإسلام عالج هذه القضايا،أن المبدأ العام الذي تقوم عليه المواطنة في الإسلام هو مبدأ التعايش حتى مع اختلاف التوجهات؛ لأن الله تعالى بَيَّنَ أنه خلق الناس مختلفين أي مختلفين في التوجهات والطبائع "ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا" إذاً الأصل في الإسلام التعايش والتعارف لا التنافر ولا التناكر،يعني الأصل أن يتعايش الناس مع بعضهم مع اختلاف توجهاتهم وأن يسع بعضهم بعضا ولذا، فإن الإسلام بَيَّنَ الضمانات وبَيَّنَ الأمور التي من شأنها أن تعمق مفهوم التعايش فأمر بالتراحم بين الناس، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء،وبَيَنَ أن الرحمة قيمة عليا من القيم الإسلاميةوأن هذه الرحمة ليست حصريةً، أو ليست مقصورةً على بني الإنسان؛ بل إن الرحمة في الإسلام تتعدى عالم الإنسانِ إلى عالم الحيوان،حتى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بَيَّنَ أن بغية من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة بسبب سقايتها لكلب؛ فإذا كانت ذنوب البغايا تغفر برحمة الحيوان فما بالنا برحمة الإنسان، ولذا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- بَيَّنَ أن الرحمة خلقً عظيم وقيمةً عظيمة ينبغي أن يتراحم الناس بها، وأن الله تعالى خلق الرحمة وجعلها مائة جزء، أمسك عنده تسعةً وتسعينَ وأنزل جزءً في الأرض منه يتراحم الخلائق،حتى أن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه،حينما يتراحم الناس وحينما يتواصلون فإن ذلك ترسيخ مفهوم المواطنة وحينما يتواسى أو يتكافل الناس،وهذه المعاني العظيمة لم تكن مجرد كلاما نظريا وإنما كانت واقعا عملياً طبق في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي عهد الخلفاء الراشدين فالنبي -صلى الله عليه وسلم- بَيَّنَ من خلال حياته في المدينة أُسس التعايش السلمي التي ينبغي أن تتم بين مختلف الأطياف وذلك حينما هاجر إلى المدينة وكانت تضم ألوانا مختلفة من الناس وتوجهاتهم العقيدية،اليهود وغيرهم من المشركين أو غيرهم من المِلَل التي كانت موجودة،والنبي -صلى الله عليه وسلم- وضع مايسمى بوثيقة المدينة، تلك الوثيقةالتي كانت تعتبر المظلة الشرعية التي تعايش الناس في ظلها والنبي -صلى الله عليه وسلم- بَيَّنَ أن مبدأ التعايش لا ينحصر على المسلمين فقط بل يستوعب المسلمين وغير المسلمين،وبرهن على ذلك عملياً فلقد عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- غير المسلمين حينما مرض هذا الغلام اليهودي الذي كان يخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فما كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أن عاده واهتم بزيارته؛ فكان لها وقعا إنسانيا ولمسات رائعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- وحينما كان يجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- فمرت جنازة فقام النبي -صلى الله عليه وسلم-فقال الصحابة:-رضوان الله عليهم- يارسول الله إنها جنازة يهودي فقال النبي:-صلى الله عليه وسلم- أليست نفساً يعني أليست هذه الجنازة لنفس خلقها الله تعالى،ولذا فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قال:"لولا أن الكلاب أُمةٌ لأمرت بقتلها" إذاً: إذا كان للحيوان حق الحياة وحق العيش مكفول في الإسلام فما بالنا بالإنسان ولذا فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاءت توجيهاته واضحة بالوصية بأهل الذمة وبعدم ظلم المعاهد وعدم الجور على حقوقهم وبَيَّنَ طبيعة العلاقه بينه وبين غير المسلمين من اليهود فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قبِلَ الهدية، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يعملون عند اليهود وتوفي النبي -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي هل معنى ذلك أنه لم يكن من المسلمين من لديه مال أو من يملك القدرة المالية على أن يرهن أو يقرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلا إن هذا نوعٌ من السياسة الشرعية لقد أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبين طبيعة العلاقة وطبيعة التعايش السلمي بين الناس جميعا، فالناس جميعاً أسرة واحدة وينبغي أن يتعايشوا في ظل السلام وفي ظل الوئام وفي ظل المحافظة على الخصوصيات لأن الاختلاف وارد،وأن الله تعالى بَيَّنَ أن الإنسان مكرم عند الله تعالى،وشاء الله تعالى ألا يجعل التكريم محصوراً أو مقصوراً على المسلمين فقال تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " فالتكريم هنا ليس مقصوراً على المسلمين وإنما التكريم للإنسان مُطلق الإنسان،دون النظر إلى عقيدته أو جنسه أو مستواه المادي أو المعرفي،كل ذلك ليؤكد الإسلام على أهمية التعايش السلمي بين الناس،وأن الإسلام لم يكتفي بمجرد إقرار مبدأ التعايش السلمي،وإنما التمس الضمانات العملية التي تكفل هذه المسألة مسألة التعايش التي تعد من أبرز أساسيات المواطنة الإسلام حرم الظلم وأمر بالعدل وأمر بالإنصاف وعدم الجورِ على الناس،وطبق الصحابة -رضوان الله عليهم- ذلك عملياً كل ذلك يبرز ويجلي ويوضح مفهوم وقيمة المواطنة في الإسلام.
بقي أن نؤكد على حقيقة مهمة في حديثنا عن هذه القضية المهمة وهي قضية المواطنة،الإسلام حينما يقرر أموراً وحينما يهتف في أهله وذويه بالتزام مبادئ معينة لا يكتفي بالتقرير النظري وإنما يشفع ذلك أو يقرن بالضمانات العملية التي تعزز هذا التقرير النظري وهذا مافعله الإسلام بالنسبة لمسألة المواطنة لقد كانت واضحةً في أذهان صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حينما وجد شيخاً كبيراً يسئل الناس فسأله قال: من أنت؟#قال: من أهل الكتاب من أين؟قال: من أهل الكتاب من أي أهل الكتاب قال: يهودي فوقف على أن هذا الرجل احتاج لدفع الجزية وليس لديه من المال ما يخول له دفع الجزية وإذا بعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول ماأنصفناك حين أكلنا شبيبتك أو حينما أخذنا منك الجزية في مرحلة الشباب ثم نلجئك إلى الحاجة والعوز عند الكبر ثم أمر له #ولضربائه نصيبٌ من بيت مال المسلمين وأعفاه من دفع الجزية،هناك نموذج آخر يدل على التعايش وعلى الضمانات الموجودة حينما فتح المسلمون مصر واستوطن المسلمون في مصر وانتشر الإسلام وكان الوالي من قِبَل عمر بن الخطاب هو الصحابي الجليل عمرو بن العاص وذات يومٍ تشاجر ابن عمرو بن العاص مع أحد قبط مصر فما كان من بن عمرو بن العاص إلا أن قام بضرب القبطي فأصر القبطي على أن يشكو ابن عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ووصل إليه واستدعى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-ابن عمرو بن العاص واستدعى أباه ثم أمر القبطي بأن يأخذ الدرة ويضرب عمرو بن العاص قال:اضرب عمرو على صلعته قال ياأمير المؤمنين: إنما أضرب من ضربني فأمره بضربه ثم قال مقولته التي خلدها التاريخ متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
إننا حينما ننظر إلى حقوق المواطنة وواجباتها والأسس التي تقوم عليها المواطنة في الإسلام نجد أن الإسلام يقرر عملياً حقوق غير المسلمين قبل أن يقرر حقوق المسلمين،وهذا مما يعمق الانتماء للأوطان،وهذه تعد دعوة صامتة يعني دعوة إلى الله سبحانه وتعالى بأسلوب غير مباشر بدلاً من أن تمارس مثلاً الدعوة من خلال بيان النصوص الشرعية إلى غير ذلك مما يمارسه الدعاة المتخصصون،فإن هناك دعوة عملية يستطيع المسلم أن يمارسها ويستطيع ولي الأمر أن يقدمها من خلال أداء الحقوق إلى أصحابها والدفاع عن المظلومين ورد الحقوق إلى أصحابها وغير ذلك من المعاملات الإنسانية التي يشعر الإنسان من خلالها بقيمته في المجتمع،وبأن له وزن في المجتمع،وبأن له كيان في المجتمع وأنه حينما يُعتدى عليه فإن هذا العدوان يُرَد بشكلٍ أو بآخر من خلال هذه الممارسات العلمية والعملية يستطيع المواطن أياً كانت عقيدته أن يشعر بالحب والولاء والانتماء لبلده ويقوي النسيج الاجتماعي #ويتلاحم عناصر الأمة من القوميات أو من الأعراق أو من غير ذلك،وما أحوج الناس أن يستلهموا هدي الإسلام في قضية المواطنة خاصةً وأن كثير من المشكلات التي تتعلق بالتنمية الاقتصادية في كثيراٍ من البلدان تتعلق بقضية المواطنة حيث تستشعر بعض الأقليات استضعافها وهدم حقوقها ولذا فإنها تشعر في قرارة نفسها بعدم الانتماء لهذا البلد أو لهذا الوطن الذي يعيشون فيه،وبالتالي فإنهم لا يتحمسون للعمل ولا يرغبون في دفع عجلة التنمية في هذا الوطن الذي يعيشون فيه،ولكن حينما تكون مفاهيم المواطنة وأسس وقيم ومبادئ المواطنة واضحة في أذهان الناس عامة وفي أذهان ولي الأمر أو العلماء أو أهل الاختصاص بشكلٍ واضح ويتم تفعيل ذلك عملياً من خلال إشعار الناس بقيمتهم في الحياة وبحقهم في العيش الكريم وبحقهم في التعايش السلمي، فإن الناس يعيشون في سلام ووئام،ولا شك أنه في ظل السلام والوئام تتقدم البلاد ويسير الاقتصاد بخطاً سريعة ويتقدم الجميع ويشعر الناس بعظمة الإسلام،وأن هذا الإسلام يراعي الجوانب الإنسانية في الإسلام في الحياة ويكرم الناس جميعاً لا يفرق بين الناس على أساس عقيدة أو على أساس انتماء،هذا ماأردنا أن نجليه أو نوضحه في قضية المواطنة.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.