بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي هذه الأمة ونبي العالمين.

أيها المشاهدون الكرام سلام الله عليكم ورحمته وبركاته .

 في حديث اليوم نتكلم عن الشورى في الإسلام مبدأ عظيم من مبادئ التشريع الإسلامي، نجد مدركاته وأصوله في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القولية والفعلية، عندما ننظر إلى كتاب الله الكريم نجد الشورى في الإسلام قد جاءت وصفاً للمؤمنين، في قول الله تعالى "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" وجاءت أيضاً تأكيداً على ضرورتها وعلى حجيتها في البناء الإسلامي العام، في قول الله تعالى "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" وهي صيغةٌ تفيد الوجوب أو الندب كما يقول علماء الأصول، والشورى في الإسلام يقصد بها في معناها الاصطلاحي، أن الإنسان لا يتحرك بمقتضى عقله وحده، وإنما ينبغي أن يجعل روافد لعقله تأتيه من خارج هذا العقل، تأتيه من إخوانٍآخرين، إخواناً في الأسرة، وإخواناً في الوطن، وإخواناً في الحياة،يتبادلون معه وجهات النظر ويقلبون الرأي على جوانبه المختلفة؛ لأن رأي الجماعة لا تشقى البلاد به كما يقول الشاعر فالشورى في الإسلام إذاً؛ يقصد بها أنه قبل اتخاذ القرار سواءً كان ذلك على المستوى الفردي أو كان ذلك على المستوى الجماعي لا بد من المشاورة، المشاورة في المجال الخاص تعني مشاورة الأهل، مشاورة الزوجة، مشاورة الآباء، مشاورة الأصدقاء، كلٌ منهم له رؤيته، كلٌ منهم له منظوره، فالزوجة في أمور بيتها لها حق المشورة، لأن لها رؤية بالنسبة لأولادها، ولها رؤية بالنسبة لمستقبل أسرتها، ولها رؤية بالنسبة لمواردها واقتصادها، فإذاً تكون المشورة هنا مشورة لها أهميتها الخاصة؛ لأن الإنسان إذا ماتزوج لم يعد فرداً وإنما عاد يحتكم إلى كيان أكثر اتساعاً هو الأسرة، والأسرة مدعو إلى إقامتها في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"هذا الأمر العام يجعل أن تكوين الأسرة يحتاج إلى استشارة في بدايته وقبل إنشائه، واستشارة عند إنشائه وعند إقامتهِ، وعند تلاقي الزوجين على أمور الحياة، هذه استشارة بالمعنى الخاص، والاستشارة بالمعنى الخاص؛ قد تجيء أيضاً ليس في مجال الحياة الزوجيةِ، أو في مجال الأحوال الشخصية، وإنما قد تجيء أيضاً في مجالاتٍ أخرى، في مجالات البيوع، وفي مجالات الأخذ والعطاء، وفي مجالات الأوقاف، وفي مجالات السفر، وفي غيرها من المجالات، أنت عندما تريد أن تسافر إلى مكانٍ ما للترفيهوالرحلةِ، أو للتجارة؛ فإنك مدعو لأن تستشير من ذهب إلى هناك من أهلك، ومن أقاربك، ومن أصدقائك، بل ربما قد تسعى إلى شركة لديها اختصاصيون في هذا المجال؛ فتسأل عن تكاليف هذه الإقامة، عن مكان هذه الإقامة، عن الأماكن التي ينبغي أن تزار، إذاً الاستشارة واجبةٌ في كل شيءٍ من أمور الحياة الخاصة، هذا الوجوب قد لا يرقى إلى مسألة الوجوب الشرعي الذي يثاب الإنسان على فعله ويعاقب على تركه، ولكنه من المندوبات التي يحسن أن يلتزم بها المسلمون حتى تصبح قراراتهم أكثر عمقاً، وأكثر تأثيراً، وأكثر وصولاً إلى نتائجها الإيجابية المرجوة، لكن الاستشارة في المجال العام لها وضعٌ آخر، الاستشارة في المجال العام أي في أمور الحياة السياسية والاجتماعية؛ التي يصدرها ولي الأمر، فلا ينفرد رئيس الدولة برأيه، ولا ينفرد رئيس الوزراء برأيهدون وزرائه، ولا ينفرد الوزراء برأيهم دون بقية العاملين معهم من أهل الاختصاص؛ الذين يعرفون مكامل الأمور ومخاطرها وسلبياتها وإيجابياتها، فنحن نتحدث إذاً هنا عن الشورى في المجال العام، في مجال القرار السياسي، في مجال القرار الاجتماعي؛ الذي يمس جميع أبناء الوطن في المجال الثقافي الذي يمس جميع أبناء الوطن في هذه الطريق وهي طريق الشورى، نجد أنفسنا أمام طبيعةٍ خاصه للشورى،اختلف الفقهاء والدارسون فقالوا هل الشورى واجبةٌ؟ بمعنى أنها ضرورية وأنها يثاب الإنسان على فعلها ويعاقب على تركها، والبعض قال إنها مندوبة أي أنها من الأمور التي يحسن اتخاذها ولكن ليست لازمة وليست ملزمة أمام هذين الرأيين نتساءل في المجال العام، أي هذين الرأيين أولى بالترجيح؟ أي هذين الرأيين يتفق مع مقاصد الإسلام الكلية؛ التي هي حماية الدين، وحماية العقل، وحماية النفس، وحماية العرض، وحماية المال، إلى غير ذلك من مقاصد الشريعة التي ينبغي أن تحمى حماية الوطن، حماية الحريات العامة، حماية الاقتصاد، كلها ألوان من الحماية التي تتعلق بمقاصد الشريعة الإسلامية إن الأقرب إلى ذلك في الأمور الدنيوية أن تكون الاستشارة هنا استشارة واجبة، واستشارة ملزمةً وليست مُعلِمَة، كما يقول الفقهاء هي استشارة يلتزم بها الناس جميعاً، وينبغي على أولياء الأمور أن ينفذوا نتائجها، وأن يلتزموا بما انتهى إليه أمر الشورى، وأمر الجماعة، وكان هناك في الأندلس من يسمى قاضي الجماعة ومن يسمى أهل الشورى، وكان هناك لدى كل خليفة من خلفاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-الأربعة، منذ أبي بكر الخليفة الأول، إلى عمر بن الخطاب الخليفة الثاني،إلى عثمان بن عفان الخليفة الثالث،إلى علي بن أبي طالب الخليفة الرابع، كان لكل هؤلاء أهل شورى من الصحابة؛ ولذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستشير أصحابه فاقتضى به أصحابه عندما أصبحوا هم الذين يديرون دفة الشئون العامة، ولكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، فكان صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتمعون في كل أمرٍمن الأمور ويستشيرون بعضهم البعض، حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يحول بينه وبين صحابته أن يرحلوا إلى أي مصر من الأمصار، أو يخرجوا إلى بلدٍ من البلدان، بل في بعض الأحيان كان يمنعهم من الخروج إلى الغزوات الحربية حتى يظلوا إلى جانبهِ في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهم أهل الشورى؛ الذين يستعين بهم في قضاء الآراء العامة؛ في الوصول إلى القرار النهائي إلى أنهم كانوا من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين تعلموا في مدرسته والذين عرفوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيمة الاستشارة فقد استشار الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر وعندما أراد أن يقيم في مكانٍ سأله، كان مكانً بعيداً عن الماء فسأله صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هل هو الرأي والمشورة والمكيدة أم هو وحيٌ من السماء، فقال بل هو الرأي والشورى والمكيدة، فوجدنا صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا إن الرأي الأفضل أن يكون بقرب الماء حتى نستطيع أن نسقي جنودنا، ونسقي دوابنا، ونسقي أفراسنا، بكل ذلك كانت الاستشارة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستشرهم،استشارهم في أسرى بدر وهل يطبق في أسرى بدر القرار الخاص بفداء الأسرى، كما رأى ذلك بعض صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم بتقديم الأسرى باعتبارهم أعداء، كما رأى ذلك أيضاً بعض صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذاً، الشورى أخذها صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا المكيال من علاقتهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من تتلمذهم عليه -صلى الله عليه وسلم- في مدرسة النبوة ومن هنا وجدنا أن هذه الشورى إنما تقوم على الإلزام لا الإعلام بمعنى أنهم يلتزمون بما انتهى إليه أمر الشورى،ولكننا وجدنا فريقاً آخر يقول إن الشورى مُعلمةً وليست ملزمة؛لأن على ولي الأمر أن يجتمع بأهل الاختصاص، أن يجتمع بأهل الشورى، وأن يسألهم في هذه القضية ماهي الآراء، ماهي الظروف ما هو القرار الأفضل، يسألهم ثم بعد ذلك عندما تنتهي هذه الأسئلة فإنه عليه بعد هذه الاستنارة، أن يأخذ بمفرده القرار الذي يراه صائباً، أرى أن ذلك غير جائز وأنهم ينبغي عليهم أن يكونوا أكثر إحكاماً في النظر إلى شئون الأمة، خاصةً وأن الفقهاء الذين قالوا ذلك كانوا ينظرون إلى وقتٍ معين كان فيه الخليفة من أهل الفقه الاجتهادي، كان الخليفة فيه من المجتهدين، كان عمر بن الخطاب مجتهداً، وكان علي مجتهداً، وكان أبو بكر من كبار المجتهدين، فكان هؤلاء طبقا للآلية التي تقول "إن كل ملتزمٍ ملزمٌ بما انتهى إليه اجتهاده" إنهم يستشيرون ويتطلعون إلى الآراء وينظرون إلى ماقيل لهم ثم يختارون منه مايرونه أصلح للأمة على مسئوليتهم باعتبارهم هم القادة الذين أُختيروا لتحمل هذه الأمانة من الجمهور من المسلمين جميعاً ببيعة إسلامية عامة، أما اليوم فإننا لا يمكننا أن نقول إن الشورى مُعلمةً لا ملزمة؛ بل هي ملزمة أراء المجالس التشريعية وهي مجالس تأخذ الرأي وتتبادله هي ملزمة لرئيس الدولة، وملزمة للقضاء، وملزمة للأمة، وكذلك أيضاً الآراء التي تأتي من أهل الاختصاص في كل مسالةٍ يحتاج إليها المسلمون في قراراتهم إلى أهل الاختصاص، إذا كان القرار اقتصادياً فأهل الاختصاص هم رجال الاقتصاد، إذا كان القرار دينياً إسلامياً يتعلق بقضية إسلاميةٍ معروفة فالمجامع الفقهية ومجمع البحوث الإسلامية وهيئات كبار العلماء هم الذين يُسألون وتكون لآرائهم القيمة الإلزامية؛ التي تجعلنا نسير على طريق الهدى وعلى الطريق المستقيم، إذا كانت المسألة طبية فيستشار الأطباء، إذا كانت المسألة أكاديمية تتعلق بمناهج الدراسة والجامعات وتكوينها وإنشائها في غير ذلك، المهم في الزراعة يستشار أهل الزراعة في السدود يستشار أهل السدود إذاً الاستشارة إنما تكون من أهل الاختصاص وهي استشارة ينبغي أن يقوم بها ولي الأمر، البعض قال إن الاستشارة إذا انطلقت في كل المجالات فينبغي أن تكون ملزمةً ابتداءً لا انتهاءً؛ بمعنى أن ولي الأمر ملزمٌ عندما تطرح عليه المسألة أو يفكر فيها أن يذهب إلى أهل الاختصاص، فالإلزام بالوصول إلى أهل الاختصاص، وبمعرفة آرائهم وبالاسترشاد بما يقولون هذا أمرٌ ضروري وهذا أمرٌ إلزامي ولكنه ليس ملزماً بنتيجة الشورى أي ليس ملزماً انتهاءً بعد أن يستشير فهو يختار قد يختار رأي الذين أشاروا عليه وقد يختار رأي جاءه بواسطة التفكير الذاتي له، ولكنه ليس ملزماًبأن يأخذ برأي أهل الاستشارة وأنا أقول إننا اليوم أمام شورى ينبغي أن تكون ملزمةً ابتداءً، وملزمة انتهاءً، بهذا نكون قد جعلنا من الشورى أمراً أساسياً في حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، خاصة وأن الشورى في الإسلام إنما ترتبط بقواعد أساسية كلية في المجتمع، منها القواعد المتعلقة بقاعدة "الضرورات تبيح المحذورات"، هذه قاعدة كلية من قواعد الشريعة الاسلامية؛ لا بد من الاستشارة فيما هي الضرورة، هناك الضرورة الاقتصادية، وهناك الضرورة السياسية، وهناك الضرورة العالمية، إذاً لابد من أن يوجد أهل الاختصاص الذين يُستشارون في تحديد ماهي الضرورات التي تحتاج إلى قواعد استثنائية، تحتاج إلى قوانين استثنائية، تحتاج إلى قرارات استثنائية، لدينا القاعدة التي تقول "الأمور بمقاصدها" التي هي تطبيقٌ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" هذا يشير إلى أن الأعمال في المجال العام والمجال الخاص، لا بد أن تكون مرتبطة بالنوايا، وهي في أمر النوايا هناك مايتعلق بالحياة الدنيا، وتأثير هذه في العقود وفي المعاملات وفي غيرها، وهناك مايتعلق بالحياة الآخرة التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، هناك أيضاً "العادة محكمة" ولابد إذاً حتى نحكم هذه العادات أن نلجأ إلى أهل الاختصاص وأن نرجع إلى المراكز التي تبحث في الأمور الاجتماعية، مثل المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، وغير ذلك من المراكز التي تحدد ما هي العادات التي تتوافق مع الشريعة الاسلامية، والتي يمكننا أن نلجأ إليها، وأن نستمد منها بعض قراراتنا وبعض تصرفاتنا وبعض أحكامنا، إذاً هذه كلها إنما تحتاج منا إلى مزيدٍ من الشورى، ولذلك قلت وأؤكد أن الشورى في الإسلام لا ينبغي أن تكون مبدأً مجرداً، ولا نظرية متعالية، وإنما ينبغي أن تكون عملاً مؤسسياً، بحيث توجد قواعد ضابطة في كل مؤسسة، توجد هيئة استشارية في هذه المؤسسة، لا يمكن أن يصدر القرار النهائي سواء من رئيس هذه المؤسسة، أو من القائم عليها حتى نصل إلى مؤسسة الدولة ككل، وإلى رئيس الدولة ككل، لا ينبغي أن تصدر القرارات، ولا أن تصدر القوانين ولا أن تصدر اللوائح، إلا بناءً على استشارات دقيقةٍ يقوم بها أهل الاختصاص؛ الذين يعرفون مصالح الأمة والذين يدركون طبيعة العصر الذي نعيش فيه،ومن هنا نقول ذلك يمثل التطبيق العملي للقاعدة الشرعية التي تقول إن تصرف ولي الأمر منوطٌ بمصلحة الرعية، حينما نربط ذلك كله بمبدأ الشورى في الإسلام، نكون قد جعلناه مبدئ فاعلاً في حياتنا الاجتماعية، وفي حياتنا السياسية، وفي حياتنا الاقتصادية، وفي أمورنا الثقافية.

والله ولي التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الدكتور محمد كمال إمام - الشورى في الإسلام