(غرب أفريقيا نموذجاً)

"رؤية جغرافية"

د. عطيه محمود محمد الطنطاوى[1]

 

تعد اللغة الوعاء الذى ينصب فيه المعرفة والعلوم وبها تتقدم البشرية؛ لأنها منوطة بفكر الإنسان وهى أكبر السمات التى تميزه فى عالم الكائنات. وقد تباينت العوامل الجغرافية التى أدت إلى انتشار اللغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء فمنها ماهو طبيعى ومنها ماهو بشرى. أما العوامل الطبيعية فتتمثل فى الموقع الجغرافى للقارة خاصة فى شرقها والذى يجاور شبه الجزيرة العربية. ثم مظاهر السطح التى ساعدت على توافر الطرق والدروب الصحراوية التى ربطت شمال القارة بجنوبها إذ لايوجد سلاسل جبلية ممتدة من الشرق إلى الغرب تحول دون اختراق الصحراء الكبرى وطبيعة الشعوب القبلية المتفرقة حول الطرق والدروب والتى يسهل التأثير فيها بالإضافة إلى عامل المناخ و التغيرات المناخية ومانتج عنها من فيضان وسيول أو قحط وجفاف. الذى كان له دور فعال فى انتقال الرعاه من شمال القارة إلى جنوبها بحثاً عن الكلأ والمياه عندما كانت تتعرض مناطقهم إلى موجات الجفاف المتكرر، ومع هذا الانتقال كانت تختلط لغتهم العربية باللغات المحلية وكانت الغلبة للغة العربية.

أما بالنسبة للعوامل البشرية التى أثرت فى انتشار اللغة العربية فى القارة الأفريقية فيأتى العامل الدينى فى المقام الأول فمع ظهور الإسلام فى شبه الجزيرة العربية بدأت اللغة العربية فى الانتشار على نطاق واسع لمعرفة مايأمر به الدين الجديد وسارت اللغة العربية مع الإسلام جنباً إلى جنب فى الانتشار، ساعد على ذلك سماحة الإسلام ومايتميز به من سهولة ويسر. وعندما دخل الكثير من السكان فى إفريقيا جنوب الصحراء انتشرت اللغة العربية خاصة مع رحلاتهم إلى الجزيرة العربية لآداء فريضة الحج. ويأتى العامل التجارى فى المرتبة الثانية لانتشار اللغه العربية فى أفريقيا جنوب الصحراء حتى قبل ظهور الإسلام حيث كانت هناك قوافل تجارية من شبه الجزيرة العربية إلى الشرق والشمال الأفريقى ثم بدأ الإنتقال إلى الجنوب عبر الطرق القديمة التى تربط شمال الصحراء الكبرى بجنوبها ووجود ممالك قديمة منتشره فى غرب القارة الأفريقية كمراكز للتجارة والثقافة. ويأتى العامل الثالث متمثلاً فى هجرات الدعاه والمعلمين العرب الذين قاموا بجهود صادقة في نشر الإسلام واللغة العربية عن طريق التعليم والدعوة الصادقة للإسلام وشرح أركانه وما يحث عليه الدين الجديد من مكارم الأخلاق وغيرها. مثل هجرة الشيخ السيوطى الذى نشر الاسلام واللغة العربية فى الغرب الأفريقى وأسس مدرسته فى مدينة كاتسينا بشمالى نيجيريا. كما كان للعلماء والدعاه المحليين دور لايقل أهمية عن دور العاه العرب مثل عثمان بن فودى فى ولاية سوكوتو فى أقصى الغرب الأفريقى والذى لقب وأسلافه فيما بعد بأمير المؤمنين. ومن العوامل أيضاً سيطرة لغة اللعلم والدين على اللغات المحلية المنتشرة حتى أن القبائل فى أفريقيا جنوب الصحراء كتبت لغتها بالحروف العربية مثل لغة الهوسا فى الغرب واللغة السواحيلية فى الشرق. وتطبيقاً على الغرب الأفريقى فقد ذكر المؤرخون إن منطقة غرب إفريقيا اتصلت اتصالاً مباشراً بشمال القارة الذي دخله الإسلام أولاً حتى أن البعض ذكر أن هذه الصلة بين الشمال والغرب موجودة قبل ظهور الإسلام بمئات السنين وهذه الصلة القديمة مهدت للإسلام طريقا ممتداً من شمال إفريقيا إلى غربها.

 

وسيتناول هذا البحث العوامل الجغرافية التي ساعدت على انتشار اللغة العربية فى أفريقيا جنوب الصحراء مركزاً على غرب القارة الأفريقية وكيفية انتشار اللغة مع إعطاء أمثلة فى بض البلدان أو الممالك القديمة وهل أفادت اللغة العربية الشعوب التى انتشرت فيها وماآلت إليه اللغة العربية بعد الاستعمار الذى حول كتابة اللغات المحلية بالحروف اللاتينية ثم نظره على مستقبل اللغة العربية فى ظل الغزو الثقافى الغربى الحالى من وجهة نظر جغرافية مستعيناً ببعض الخرائط والأشكال التى توضح هدف هذا البحث وأهميته.



[1]أستاذ الجغرافيا الطبيعية المساعد، معهد البحوث والدراسات الأفريقية- جامعة القاهرة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.